صلة الاجتهاد بالفكر العقدي والسياسي عند الإباضية لمصطفى باجو
الجزء ١ · صفحة ٢وليس هذا التباين وليد شهوة طاغية، أو نزوة عابرة، أو مصلحة آنية. بل كان نتاج مبادئ مرسومة، ومنهج دقيق وأصيل، قائم على أدلَّة الأحكام وقواعد الاستنباط. تلك التي عصمت شريعة الإسلام أن تتلاعب بها الأهواء الجامحة، أو تُطوِّح بها الأنظار البشرية القاصرة. ذلك أنَّ الفكر البشريَّ بعيدًا عن الهداية الإلهية سيظل رهين نظرة معرفية قاصرة، تُوجِّه مساره ضغوط بيئية قاهرة. أمَّا الاجتهاد الفقهي فيوجِّهه الوحي المعصوم، وتضبط خطاه قواعد تفسير النصوص. ورائده في ذلك كلِّه تحقيق مقاصد الشرع الحكيم.
ونعرض في هذا البحث لعلاقة الاجتهاد بموضوعين هامين، الأوَّل عقدي يتمثل في الولاية والبراءة، والثاني سياسي يتعلَّق بالإمامة وطرق إقامتها، والتي اصطلح عليها في أدبيات الفكر الإباضي بمسالك الدين.
الاجتهاد والولاية والبراءة:
تتجلَّى في الفقه الإباضي نظرة شمولية لأحكام الإسلام، إذ لم يحصر فقهاؤه اهتمامهم على جانب منها دون آخر، فأَوْلَوْا قضايا العقيدة والأصول حقَّها من البحث والتأصيل، كما اهتموا بجانب العبادات والمعاملات بما تستحقُّ من النظر والتحليل.
ولم تنفصم عندهم قضايا الفقه عن قضايا العقيدة، إذ نجد تمازجا كبيرا بين هذين المجالين.
ويندر أن نجد كتابا في الفقه خاليا من مسائل التوحيد، إن في مقدِّمته وأبوابه الأولى، أو في ثنايا مباحثه.
ومن أبرز القضايا العقدية التي تميز بها الإباضية، قضية الولاية والبراءة، وهي قضية ألقت بظلالها على مساحة كبرى من قضايا الفقه والاجتهاد في كتبهم.
ولا غَرْو، فإنَّ الولاية والبراءة حرز الدين، بها يتميز الأوفياء بالدين من العصاة والمستهترين.