السنة والحديث، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... لخالد الوهيبي
الجزء ١ · صفحة ٢بل وحتى المدارس الفقهية في المحيط السني القائمة على التعويل على الطرائق الكلية في الاجتهاد والاستنباط لم تستطع الصمود طويلاً، ويبدو للمتتبع أنها كانت تمثل الطريقة الأصيلة عند عموم فقهاء الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، لكنها ولعوامل كثيرة ظلت تنكمش وتتتقلص لحساب النظرة الجزئية القائمة على النظر في نصوص مفردة ومجتزئة، وعزز هذه النزعة المبالغة في طلب الروايات والأحاديث التي تم تدوينها في القرنين الثالث والرابع، (وفي وجه هذا التطور برز المحدثون لتدوين الحديث والتحقق من سنده لتمييز صحيحه من سقيمه، ودونت كتب الصحاح والسنن والمساند في أسفار ضخمة غطت كل موضوع ومسألة، وانقسم الفقهاء بين مؤثر لاتباع النصوص، وراغب في تأصيل الأصول وتقعيد القواعد واعتماد الكليات في مسالك الاجتهاد)[2]، فدونت من بعد كتب القواعد الفقهية والأشباه والنظائر ككتاب قواعد الأحكام لابن عبد السلام والفروق للقرافي والموافقات للشاطبي وغيرها، وحاول الكثير من الفقهاء اتخاذ طريقة وسطاً بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية (=اللغوية)، لكن بمرور الزمن لم يستطع الفقهاء القواعديون الصمود طويلاً أمام الهجمة الشرسة للنصوصيين من المحدثين، الذين ظلوا يجلدونهم باستمرار بسياط دعاوى التنكر للنصوص، والمقصود بالذات نصوص الأحاديث والروايات الآحادية التي دونت في مصنفات الحديث.
المدرسة الجابرية
ناقشنا في حلقات نشرت في العام الماضي بعضاً من القواعد التي ذكرها علماء المدرسة الجابرية في مصنفاتهم، أو تلك التي تعلم باستقراء النصوص والأحكام المأثورة عنهم، لكن بعض القراء الكرام أساء فهم ما كتبته واعترض عليها بأمور منها:
1. أن تلك المقالات مجدت المدرسة الجابرية (=المدرسة الإباضية الأولى) وهمشت أو ألغت التاريخ الفقهي الإباضي اللاحق.
2. أن تلك المقالات روجت لآراء فقهية ترك العمل بها في العصور المتأخرة.