السنة والحديث: قراءة في تراث المدرسة الجابرية خالد بن مبارك الوهيبي

السنة والحديث، قراءة في تراث المدرسة الجابرية... لخالد الوهيبي

الجزء ١ · صفحة ٣٨

قد يقع للصحابي أن يسمع من صحابي آخر حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم فيتوقف فيه، حيث لا يراه منسجماً مع ما فهمه من معاني القرآن الكريم، وما سمعه هو من فم النبي صلى الله عليه وسلم، وهنا إما أن يتوقف الصحابي في الرواية مجرد توقف، وإما أن ينكرها إطلاقاً، حملاً لها على سهو الناقل وخطئه ووهمه)[4].

كما علمنا في الفصول الماضية أن السنة هي الطريقة المتبعة المطردة، لذا كان المعبر عنها بما استقر عليه العمل وما اجتمعوا عليه دون ما يروى آحاداً، ومن خلال تتبع طريقة فقهاء المدرسة الجابرية تبين أنهم عبروا عن الآحاد بمصطلحات الرواية والحديث، حرصاً منهم على فصل ما يعبر عن طبيعة الدين ومصدره التشريعي المطلق عن التطبيق الزمني الظرفي المولَد من التشريع الدائم المطلق.

لذا مارسوا فهم الحديث والرواية في ضوء السنة، مع التنبيه على أن السنة لديهم لم تنفصل على الإطلاق عن القرآن، فهما يمثلان معاً المرجعية العليا للإسلام، فـ(السنة مأخوذة من الكتاب)[5]، وهي (عمل بكتاب الله وبه وجب اتباعها)[6].

لذا لم يتردد فقهاء المدرسة الجابرية في ترك مئات الروايات الآحادية أو تأويلها تعويلاً على فهمها وعرضها على السنة المتمثلة في السنة العملية المتبعة وأنساق القواعد العامة والمقاصد الكلية للمارسات العملية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي تحقق ترابطها وانسجامها الداخلي. ومن أمثلة ذلك عندهم:

(1) القنوت في الصلاة

قال أبو غانم الخراساني في مدونته (سألت أبا المؤرج: هل في الصلاة قنوت؟.

قال: حدثني أبو عبيدة أنه سأل جابر بن زيد عن ذلك فقال: الصلاة كلها قنوت، قال الله تبارك وتعالى: "أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً" فالصلاة كلها قنوت.

قلت: يا أبا الشعثاء؛ ليس عن هذا أسألك، ولكن إنما أسألك عن الذي يفعل هؤلاء بعد الركوع، يدعون ويهللون وهم قيام.

٣٨ / ٧٧