ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٠البصريون إلى أنها لابتداء الغاية في المكان دون الزمان، والأول أصحُّ، وتستعمل للتبعيض، وعليه المحققون، وقال المبرد والزمخشري: "إن أصل من التبعيضية ابتداء الغاية؛ لأن الدراهم في قولك: أخذت من الدراهم مبدأ الأخذ"، وقال صاحب المرآة: "وذهب بعض الفقهاء إلى أن أصل وضعها للتبعيض دفعًا للإشتراك"، ورُدَّ بإطباق أئمة اللغة على أنها حقيقة في ابتداء الغاية، قال: "ولو قيل: إنها في العرف الغالب الفقهي للتبعيض مع رعاية معنى الابتداء لم يبعد، والفرق بين "من" الابتدائية تُعرف بأن يحسن في مقابلتها "إلى" أو ما يُفيد فائدتها، نحو: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن معنى أعوذ به: ألتجئ إليه، فالباء ههنا أفادت معنى الانتهاء، والتبعيضية تُعرف بأن يكون هناك شيء ظاهر هو بعض المجرور بمن، نحو: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ﴾ (التوبة103)، أو مقدر نحو: أخذت من الدراهم، أي من الدراهم شيئًا، وإنما قدّم التبعيض على الابتداء في النظم رعايةً للوزن، وإلا فالحق بالتقديم الابتداء؛ لأنه موضوعها الأصلي كما علِمت، وتستعمل "من" لبيان الجنس، نحو: لفلان عليَّ عشرة من فضة، وتستعمل زائدة، وتكون في زيادتها على وجهين:
- أحدهما: زيادة يختل المعنى بإسقاطها، وهي الزائدة في نحو: ما جاءني من رجل، فإن المعنى: ما جاءني أحد من هذا الجنس، فإن زيادتها في هذا الكلام أفادت التنصيص في نفي العموم، فلو أسقطت منه لمْ يُفد التنصيص المذكور.
- وثانيهما: زيادة لا يختل المعنى بإسقاطها معه، وهي الزائدة في نحو: ما جاءني من أحد، فإن زيادة "من" في هذا الكلام ليس إلا لمحض التَّأكيد.
وتستعمل "من" بمعنى الباء، كما في قوله تعالى: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ ﴾ (الرعد: 11)، أي بأمر الله، والله أعلم، ثم قال:
لِغَايَةٍ إِلَى وَحَتَّى أَتَتْ … عَاطِفَةً حَتَّى وَمَعْنَاهَا ثَبَتْ
فَتُعْطَفُ الغَايَةُ فِي العُلُوِّ … وَهَكَذَا الغَايَةُ فِي الدُّنُوِّ