ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٤٨المعدوم المشكوك في وجوده وعدم، ولا تستعمل فيما هو قطعي الوجود أو قطعي الانتفاء إلا على تنزيلها منزلة المشكوك لنكتة، فمثال استعمالها فيما هو قطعي الوجود قولك لمن عتق أباه: إن كان هذا أبوك فأحسن إليه، والنكتة فيه تنزيل المخاطب منزلة جاهل الأبوة، حيث لم يُراع حقّها، ومثال دخولها على ما هو قطعي الامتناع قوله تعالى: ﴿ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ﴾ (الأعراف: 143)، فإن استقرار الجبل مع تجلّي تلك الآية قطعي الامتناع، والنكتة فيه إظهار امتناع الرؤية واستحالتها لمن لم يكفهم قول نبيِّهم أنها مستحيلة عليه تعالى حتى واجهوه بقولهم الشنيع: ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ﴾ (البقرة: 55).
ومنها: لو، وهي حرف موضوع لامتناع الشرط واستلزامه لامتناع جزائه، نحو: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا ﴾ (الأعراف: 176)، فمشيئة الرفع له ممتنعة، واستلزمت امتناع الرفع بالآيات، وذلك فيما إذا كان الشرط سببًا مساويًا للجزاء أو أعمّ منه، أمَّا إذا كان الجزاء أعم من الشرط، كما في: لو طلعت الشمس لكان الضياء موجودًا، فلا يستلزم امتناع الشرط امتناع الجزاء؛ لأن الضياء قد يُوجد بغير طلوع الشمس، فالممتنع بامتناع طلوع الشمس إنما هو نوع من الضياء لا جميعه، فإذا عرفت هذا فاعلم أنّ قول القائل لعبده: لو دخلت الدار لعتقت، لا يقع به عتقٌ، قال صاحب المرآة: "ولكن الفقهاء استعاروه لأن، كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَك ﴾ (المائدة: 100)، ﴿ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ (غافر: 14)"، إلى أن قال: "فإذا قال: أنت طالق لو دخلت الدار، لا يقع حتى تدخل"، أقول: والذي تقتضيه القواعد العربية والأصولية أنه لا طلاق بهذا أصلاً إلا إنْ نوى الطلاق بذلك؛ لأن جعل لو بمعنى أن إنما هو مجاز استعاري، وقد تقرّر أن المجاز لا يُصار إليه إلا مع قرينة تمنع من إرادة الحقيقة، أمّا إذا قال: لو دخلت الدار فأنت طالق، فالفاء قرينة لاستعمال "لو" بمعنى "إن"؛ لأن اللام هي التي تدخل جواب "لو"، والفاء تدخل في جواب "إن"، فيقع الطلاق بالدخول في مثل هذا اللفظ، كما لو قال: إن دخلت الدار، وهذا معنى قوله: "واللام في جوابها لا الفاء"، أي: اللام هي التي تكون في