ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣يكن ثَمَّ استلزام، فأمَّا إذا كان تحريم الأصل يستلزم تحريم الفحوى فلا، واحتج المانعون على الإطلاق بأن ثبوت حكم الفحوى تابعٌ لثبوت حكم الأصل؛ لأنه لم يُعلم تحريم الضرب إلاَّ من تحريم التأفيف، فإذا ارتفع تحريم التأفيف ارتفع تحريم الضرب.
وأُجيب: بأنه لا نُسلِّم أن ثبوت حكم الفحوى تابعٌ لحكم الأصل في الثبوت، بل يصحُّ ثبوت حكم الفحوى ولو ارتفع حكم الأصل، وإنما هو تابع له في الاستدلال فقط، فتحريم التأفيف دليل على تحريم الضرب، ورفع تحريم التأفيف لا يرتفع الاستدلال به ولو نُسخ، والله أعلم، ثم قال:
وَيُنْسَخُ المَفْهُومُ دُونَ المَتْنِ … وَنَسَخُوا بِهِ الدَّلِيلَ الظَّنِّي
يجوز نسخ مفهوم المخالفة دون المتن، والمراد بالمتن الأصل الذي ثبت به المفهوم، وكذلك أيضًا يجوز نسخ الدليل الظني بمفهوم المخالفة إذا تأخر عنه، وهذا الجواز إنما هو على مذهب من جعل مفهوم المخالفة دليلاً شرعيًّا، أما على مذهب من منع كونه دليلاً؛ فلا يثبت النسخ فيه ولا به؛ لكونه عنده غير دليلٍ، ولا يكون النسخ بغير دليلٍ مثبت للحكم، والنسخ إنما يكون لِمَا ثبت من الحكم الشرعي، فمثال نسخه ما وقع في نسخ وجوب ثبات المائة للألف، فإن وجوب ذلك دالٌّ على وجوب ثبات العشرة للمائة بطريق المفهوم، وبنسخ وجوب ثبات المائة للألف؛ نسخ وجب ثبات العشرة للمائة أيضًا، أمَّا نسخ المفهوم مع أصله فمِمَّا لا إشكال فيه، والله أعلم، ثم قال:
وَيُنْسَخُ المَقِيسَ نَسْخُ أَصْلِهِ … إِذْ مِنْهُ أَخَذَ حِرْمِهِ وَحِلِّهِ
المراد بالمقيس هاهنا: حكم الفرع، والمراد بأصله: حكم الصورة التي ورد فيها النص، والمعنى: أن نسخ أصل القياس نسخ لفرعه، ولا يصحُّ بقاء حكم الفرع مع نسخ الأصل؛ لأن الأصل هو الذي أخذ منه حكم الفرع من تحريم وتحليل وغير ذلك، هذا قول أكثر الأصوليين، وصحَّحه البدر