ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٨٤رحمه الله تعالى، وقيل: يصحُّ بقاء الفرع بعد نسخ أصله، والحجة لنا على عدم صحته: أنَّ العلة بنسخ حكمها خرجت عن كونها معتبرة، فلا فرع، وأيضًا فلو صحَّ بقاء الفرع مع نسخ أصله لَصَحَّ ثبوت حكم شرعي بلا دليل، وهو باطلٌ قطعًا.
واعترض عليه بأنه إنما حكمتم بانتفاء حكم الفرع بالقياس على انتفاء حكم الأصل بغير علة، وأُجيب: بأنه إنما حكمنا بانتفاء علَّته.
واحتجّ المجوزون لبقاء الفرع بعد نسخ أصله بأن الفرع تابع للدلالة لا للحكم كالفحوى.
وأُجيب: بأنه لا يلزم من زوال الحكم زوال الحكمة المعتبرة، فيزول الحكم مطلقًا لانتفاء الحكمة، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان شرط النسخ، فقال:
وَصَحَّ نَسْخُ الحُكْمِ قَبْلَ الفِعْلِ … إِنْ أَمْكَنَ امْتِثَالُهُ فِي العَقْلِ
وَالحِكْمَةُ اخْتِبَارُهُ هَلْ يَمْتَثِلْ … فَيَحْرُزُ الثَّوَابَ أَوْلاَ فَيَضِلْ
اعلم أن للنسخ شروطًا بعضها متفق عليه، وبعضها مختلف فيه، فأمَّا الشروط المتفق عليها، فمنها كون الناسخ والمنسوخ حكمين شرعيين، فإن العجز والموت كل منهما يُزيل التعبد الشرعي مع أنه لا يُسمى ذلك نسخًا، وكذلك إزالة الحكم العقلي بالحكم الشرعي لا يُسمى نسخًا أيضًا، ومنها كون الناسخ منفصلاً ومتأخرًا عن المنسوخ، فإن الاستثناء والغاية لا يُسمَّيان نسخًا أيضًا، وهذه الشروط كلها معلومة من تعريف النسخ ومحلُّه، وأما الشروط المختلف فيها، فمنها كون الناسخ والمنسوخ من جنس واحد من الكتاب والسنة، ومنها اشتراط البدل للمنسوخ، ومنها اشتراط كون الناسخ أخف من المنسوخ أو مثله، فإنها شروط عند قوم دون آخرين، ومن الشروط المختلف فيها أيضًا ما أشار إليه المصنف بقوله: "وصح نسخ الحكم قبل الفعل" إلخ؛ لأن المعنى أن نسخ الحكم قبل وقت الفعل أو قبل إيقاعه جائزٌ؛ لأن الشرط في جواز نسخه إنما هو إمكانه في العقل، أي إمكان اعتقاده بالعقل لا إمكان وجوده بالفعل، والحكمة في ذلك