ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨ولا بإجماع؛ لأنه لا طريق للأمَّة إلى معرفة المصالح والمفاسد، فلو قدّرنا أنهم أجمعوا على خلاف ما قد أُجمع عليه؛ لم يخلُ إما أن يكون لهم مستند من الكتاب والسنة والاجتهاد أولا، والثاني باطل لِمًا سيأتي من أنهم غير مفوَّضين، وإن كان لهم مستند من آية أو خبر؛ لم يصح من أهل الإجماع الأول مخالفته إلا لمستند آخر معارضٍ له؛ لأن القياس والاجتهاد لا يبطل بهما النصوص لِمًا سيأتي، وذلك يقتضي كون مستند الإجماع الأول ناسخًا أو راجحًا على مستند الثاني، ولا يصح الإجماع على العمل بالمنسوخ، ولا بالأضعف؛ لأنه إجماع على خطأ، وأما القياس فلا يصح نسخه أيضًا؛ لأن صحته مشروطة بأن لا يُعارضه قياس أقوى منه أو مُساوٍ له؛ فبطل كونه منسوخًا من جميع الوجوه، وخالف أبو عبد الله البصري؛ فجوّز أن يكون الإجماع منسوخًا بإجماع آخر، وهو باطل لِمًا قدَّمنا، وخالف القاضي؛ فجوَّز أن يكون القياس منسوخًا بقياس آخر أو نصٍّ، واشترط في جواز ذلك أن يكون القياس معلوم
العلة من خطاب الشارع، وأن يكون نسخ في زمن النبوة، قال: "وأما القياس المستفاد بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه يمتنع نسخه إذ لا نصوص بعد وفاته"، وهو باطل أيضًا لِمَا قدَّمناه، وخالف ابن سريج؛ فجوَّز النسخ بالقياس الجليِّ؛ لأنه جارٍ مجرى النَّص لجلائه كقياس العبد على الأمة في تنصيف الحد، ورُدّ بأن المعلوم من إجماع الصحابة رفضه عند وجود النص؛ لأن النص مقدم لخبر معاذ هذا إذا قيل أنه ينسخ النص، وأما إذا لم يظهر قياس هو أقوى منه، فإذا ظهر الأقوى لم يكن نسخًا، وإنما كان كاشفًا عن بطلان القياس الأول، وخالف عيسى بن أبان؛ فجوز نسخ النصوص بالإجماع، واحتجّ على ذلك بقول عثمان لابن عباس حين قال له: كيف تحجب الأم بالأخوين؟ وقد قال تعالى: ﴿ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ (النساء: 11)، والأخوان ليسا إخوة؟ فقال عثمان: حجبها قومك يا غلام، يعني أجمعوا على