ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ١٥ثم يحصل زيادة رجحان بدخوله حد التَّواتُر وتلقته الأمة بالقبول فيوجب علم طمأنينة وليس المراد بتنزههم عن وصمة الكذب أن نقلهم صادق قطعا بحيث لا يحتمل الكذب وإلاَّ لكان المشهور موجبا علم اليقين لأن القرن الثاني والثالث وإن لم يتنزها عن الكذب إلا أنه دخل في حد التَّواتُر"، قال: "وأما بعد القرون الثلاثة فأكثر أخبار الآحاد نُقلت بطريق التَّواتُر لتوفر الدواعي على نقل الأحاديث وتدوينها". انتهى كلام التفتازاني وَاللهُ أَعلَم، ثم إنه أخذ في بَيَانِ خبر الآحاد فقال:
وَإِن يَكُن مُتَّصلَ الإِسنَادِ … بِلاَ كَمَالٍ فَهُو الآحَادِي
وَلاَ يُفِيدُ العِلمَ لَكِن العَمَل … وَقِيلَ لاَ وَقِيلَ كُلٌّ قَد حَصَل
فَأَثبَتُوا بِه أُصُولَ الدِّينِ … مَع أَنَّهَا ثَمرَةُ اليَقِينِ
وَقَبِلُوهُ فِي خِلاَفِ القَطعِي … فَاختَلَطَت أُصُولُهُم بِالفَرعِ
اعلم أنه إذا اتصل إسناد الخبر من الرَّاوِي إلى النبي اتصالا غَير كامل بمعنى أنه لم يستكمل الشروط التي تقدم ذكرها في نقل المتواتر فهو الخبر الآحادي نسبة له إلى آحاد النقلة، وحكمه أنه لا يفيد العلم القطعي كما أفاده التَّواتُر ولا الاطمئنانية الحاصلة للنفس كما أفاده الخبر المشهور لكن يفيد وجوب العَمَلِ به مع حصول الشرائط المذكورة في الرَّاوِي لحصول الظن بصدق الخبر العدل، اعلم أنهم اختلفوا في جواز التعبد بخبر الآحاد فمنعه قوم وجوزه آخرون ثم اختلف المجوزون له، فقال بعضهم: إن التعبد به غَير واقع وإن جاز عقلا، وقيل بل هو جائز وواقع، ثم اختلف هؤلاء فقال بعضهم: إنه يجب العَمَل فقط وقيل: بل يوجب العلم والعَمَل معا والصحيح أنَّه يوجب العَمَلُ دون العلم ووجوب العَمَلِ بخبر الواحد ثابت بالعقل والنقل، أما ثبوته بالعقل فهو أن من أحضر إليه طعام وأخبَرَه من يغلُب في ظنِّه صدقُه أن فيه سُمَّا فإنه إذا أقدم عليه مع غلبة ظنِّه أنه مِسمُومٌ استحَقَّ الذَّم قَطعًا وذَلِكَ هو معنى الوجوب