شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٢١

المخالف للقياس عندهم، المذهب الثالث لأبي الحسين وهو أنه إن كانت العلَّة ثابتة بطريق قاطع فالقياس أقدم، وإن كان الأصل قطعيا والعلة ظنيَّة فموضع اجتهاد، وقال ابن الحاجب: "إن كانت العلة ثابتة بنص أرجح من الخبر المخالف للقياس فالقياس أقدم إن كان وجودها في الفرع قطعيا، وإن كان وجودها فيه ظنيًّا فالوقف وإن كان خلاف ذَلِكَ فالخبر أقدم"، احتج القائلون بتقدم الخبر على القياس مطلقا بوجوه:

الأول: إجماع الصَّحَابَةِ على تقديم الخبر على القياس، فإنهم كانوا إذا عرضت لهم حادثة حاولوا الاجتهاد فيها ونظروا فيما ترد إليه من الأصول حتى يروي بعضهم فيها خبرا فيتركوا التعويل على ما سوى ذَلِكَ للخبر، ألا ترى أن عمر ترك القياس في دية الجنين حين روي له فيه الخبر، وقال: "لولا هذا لقضينا فيه برأينا" وهذا نص صريح من عمر بأن الخبر أولى من القياس وكذَلِكَ عمر ترك رأيه في المفاضلة بين الأصابع في الدية لأجل كتاب عمرو بن حزم، وكذَلِكَ تركوا القياس في عدم توريث الزوجة من دية زوجها لخبر الواحد، وشاع ذَلِكَ فيهم فلم ينكره أحد فكان إجماعًا.

الوجه الثاني: إن الخبر دليلٌ مستقل بنفسه بخلاف القياس فإنه يحتاج إلى النص وإلاَّ لم يصح، والمستقل أقوى من غَيرِ المستقل.

الوجه الثالث: إن معاذًا قدَّم النص على القياس فصوَّبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .

احتج المقدِّمون للقياس على الخبر بوجهين أحدهما:

إن الخبر يخله الغلط والكذب والنسخ والقياس سالم من ذَلِكَ فكان أقدم، ورُدَّ بأن دليل العَمَلِ بخبر الواحد صيَّره كالمأمون غلطه ثم إنه لا يؤمن الغلط في القياس أَيضًا عند تعارض العلل.

الوجه الثاني: إن عليًّا ترك خبر الأشجعي في قصة بروع بنت واشق لأجل القياس، وكذَلِكَ ترك ابن عباس خبر أبي هريرة في الوضوء مما مسته النار لأجل القياس، ورُدَّ بأن كل ذَلِكَ إنما كان لضعفٍ في الرَّاوِي لا لأجل تقديم القياس على الخبر، احتج أبو الحسين وابن الحاجب على ترجيح القياس حيث رجحاه بأن ذَلِكَ يرجع إلى تعارض خبرين فعمل بالراجح، وأما الوقف عند ابن الحاجب فلتعارض الترجيحين، ورُدَّ بأنه لو اتحد متعلَّق الخبرين لزم ما قالاه وأما مع تغاير

٣٢٦ / ٦٢٢