ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٦٠وَشَرعُ مَن مَضَى إِذَا لَم يُبدَلِ … شَرعٌ لَنَا عَلَى المقَالِ الأَعدَلِ
إِن قَصَّهُ اللهُ أَو الْمُختَارُ … شَرعًا لَنَا وَلَم يَكُن إِنكَارُ
اختلف في شرع من قبلنا من الرسل هل يكون ما لم ينسخ منه شرعًا لنا أم لا فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول لا يكون شرعًا لنا مطلقًا، المذهب الثاني يكون شرعًا لنا مطلقًا لأنه إذا لم ينسخ علمنا بقاؤه، المذهب الثالث إنه يكون ما لم ينسخ منه شرعًا لنا بشرطين: أحدُهما أن يقُصَّه الله علينا أو نبيه من غير إنكار له، وثانيهما أن يكون ذلك على جهة التشريع لنا كما في قوله تعالى حكاية عن شُعيب - عليه السلام - : ﴿ وَيَا قَومِ أَوفُوا المِكيَالَ وَالمِيزَانَ بِالقِسطِ وَلاَ تَبخَسُوا النَّاسِ أَشيَاءَهُم وَلاَ تَعثَوا فِي الأَرضِ مُفسِدِينَ ﴾ (هود: 58)، وكما في قوله تعالى حكاية عن لُوطٍ - عليه السلام - : ﴿ أَتَأتُونَ الفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِن أَحَدٍ مِنَ العَالَمِينَ ﴾ (الأعراف: 80) الآية، وكما في قوله تعالى حكاية عن التوراة: ﴿ وَكَتَبنَا عَلَيهِم فِيهَا أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ وَالعَينَ بِالعَينِ ﴾ (المائدة: 45) الآية، ونحو ذلك من الآيات، فإن هذه الآيات ونحوها قصَّ الله تعالى علينا فيها أنَّه قد شرع على من قبلنا حكمها، ولم ينكر شيئا من أحكامها وقد قصَّها على جهة التشريع لنا فكان شرعًا لنا، وهذا المذهب هو الذي اختاره المصنِّف وأشار إليه بقوله: "عَلَى المقَالِ الأَعدَلِ"، ومعنى قوله: "إذا لم يبدَّل"، أي إذا لم ينسخ، وحُجَّة هذا القول هي حُجَّة القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ينسخ، وستأتي وأما الاشتراط بأن يقصُّه الله علينا أو نبيِّه فلارتفاع الوثوق بكتبهم لتحريفهم إياها سواء نقل ذلك الكفار أو من أسلم منهم، وأما اشتراط أنَّه يكون على جهة التشريع لنا فلولا ذلك لكان رسولنا رسول من قبلنا من الرسل سفيرًا بينهم وبين أمته كواحدٍ من علماء عصرنا وفساده لا يخفى، كيف وقد قال عَلَيه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ حين رأى صحيفة من التوراة في يد عمر - رضي الله عنه - : "أَمُتَهَوِّكُونَ أَنتُم كَمَا تَهَوَّكَت اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، والله لَو كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسعَه إِلاَّ اتِّباعي"
ولقائل أن