ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٦٢بعده، فكذا شريعته لا تخرج أن تكون معمولا بها ببعث رسول آخر ما لم يقم دليل النسخ فيها، وأجيب بأنه لا نسلِّم ذلك لأن شريعة الرسول السابق يصحُّ نسخُها ببعث الرسول الثاني بخلاف صفة الرسالة، فإنه لا يمكن نسخها عن الرسول بعد ثبوتها له، وإن جوَّزنا أن ينهى عن التبليغ عند بعث الرسول الثاني، فنهيُه عن التبليغ لا يكون نسخا لرسالته التي ثبتت له فظهر الفرق بين الرسالة والشريعة على أنَّا نقول إنَّه قد قام الدليل على نسخ ما سبق من الشرائع بشرعِ نبيِّنا عَلَيه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ لا ما قصَّه الله أو نبيُّه على سبيل التشريع لنا، وذلك قوله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الذِّينَ آمَنُوا ادخُلُوا فِي السّلمِ كَافَّةً ﴾ (البقرة: 208) الآية، وقوله - صلى الله عليه وسلم - حين رأى صحيفة من التوراة في يد عمر - رضي الله عنه - : "أَمُتَهَوِّكُونَ أَنتُم كَمَا تَهَوَّكَت اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، والله لَو كَانَ مُوسَى حَيًّا لَمَا وَسعَه إِلاَّ اتِّباعي"، وأيضا فالمعلوم من حال السحابة رجوعهم عند فقد النص منه - صلى الله عليه وسلم - إلى القياس والاجتهاد
ولا يلتفِتُون في البحث عن الحادثة إلى الشرائع المتقدِّمة ولو كان شرعُه - صلى الله عليه وسلم - شرعَ من قبله لم يعملوا بقياس ولا اجتهاد حتى يبحثوا عن النصوص المتقدِّمة، والمعلوم بالنقل التواتري أنهم لم يكونوا يُعوِّلون على شيء منها فكان ذلك منهم إجماعًا على أن شرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا ولو لم ينسخ ما لم يقصَّه الله علينا أو نبيَّه على سبيل التشريع لنا وقد عرفت أن هذا المعنى مما يتفق عليه الخصمان أنَّه شرع لنا كما هو شرعٌ لمن قبلنا، فهو مع التحقيق شرعٌ آخر وافق الشرعَ السابق، وأيضا فلو كان شرعُ من قبلنا شرع لنا لكُنَّا مأمورين بمطالعة الكتب السابقة وبقراءتها حفظا لما شرع لنا، والمعلوم انا لم نؤمر بذلك بل نُهينا عنه بالكتاب والسنة كما مرَّ، فعلمنا من ذلك أن شرع من قبلنا ليس بشرعٍ لنا، وهذه المسألة متفرِّعةٌ على مسألة صورتها هل كان نبيُّنا عَلَيه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ مُتَعَبَّدًا بعد البِعثة بشريعة من قبله أم لا وإنما جاء