ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٦٣بشريعة مبتَدأة؟ قولان، الثاني منهما هو الحقُّ لما قدَّمنا من الأدلة، ولأنه لو تُعُبِّد عَلَيه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ بشرع نبي قبله لأضيف إلى شارعه وكان نبيُّنا كالمؤدِّي عنه، لأن ما كان مُتَعَبَّدًا فيه باتباع من قبله فهو في حكم المؤدِّي فكما أنَّ شريعته لا تضاف إلى من يؤدي عنه من الصحابة والعلماء وكذلك ما أدَّاه عن غيره لا يُضاف إليه فظهر لك أن الحق أنَّه - صلى الله عليه وسلم - إنما بُعث بشريعة مبتدأة سواء وافق بعضها حكم الشرائع السابقة أو خالف، أما قبل البعثة فقيل إنه متعبَّد بشرع من قبله من الأنبياء، وقيل إنه لم يتعبَّد وتوقف آخرون وهو الحق، إذ لا علم لنا إلا بما انتهى إلينا عِلمُه، وكلا الحالين في حقَّه، ممكن والذي يقتضيه ظاهر سيرته عَلَيه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ أنَّه كان قبل البعثة غير مُتعبَّد بشرع من قبله؛ لأنه لو كان مُتَعَبَّدًا بشيء من الشرائع السابقة لوجب عليه البحث عن أحكام تلك الشريعة وطلبها من أهلها والمعلوم من سيرته أنَّه كان أميًّا لا يكتب الكتاب ولا يقرأه زيادة في معجزته بعد النبوَّة، والمعلوم من حاله أيضا أنَّه لم يجالس راهبًا، ولا خرج إلى حَبر من الأحبار، ولا سأل عن شيء من الأحكام التي قبله، ولم يكن الوحي يأتيه قبل البعثة حتى يدُلَّه على شيء منها، فعلمنا من مجموع هذه الأحوال أنَّه لم يكن مُتَعَبَّدًا بشيء من أحكام الشرائع قبل البعثة أيضا، أما التوحيد وما تقوم به حُجَّةُ العقل فقد كُلِّف به جميع العقلاء، وقد وُفِّق عَلَيه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ قبل البعثة وبعدها، وقد كان قبل البعثة أيضا محفوظا من قاذورات الجاهلية تسديدًا من الله تعالى وحسن توفيق له، فنشأ في كنف الله تعالى وحفظه مقرونا بالملائكة عليهم السلام حتى انتهى إلى الوقت الذي أراد الله له فيه ظهور الكرامة العظمى، ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللهِ ذُو الفَضلِ العَظِيم، والله أعلم، ثم إنه أخذ في بيان حكم مذهب
الصحابي فقال:
وَمَذهَبُ الصَّحَابِيِّ قِيلَ يَلزَمُ … اتِّبَاعُهُ وَقِيلَ لَيسَ يَلزَمُ