ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٦٧وللجمهور على أنَّ الإجماع القولي بعد كمال شروطه حُجَّة قطعية أدلة من الكتاب والسنة والإجماع، فأما أدلتهم من الكتاب فمنها قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلنَاكُم أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُم شَهِيدًا ﴾ (البقرة: 143)، احتج به أبو علي الجبَّائي وبعض أصحابنا، قال الجبَّائي: "فَجَعْلُهم بِمنزلة الرسول في الشهادة تستلزم العدالة، فاقتضى ذلك عصمتهم، أي عصمة جماعتهم من الخطأ فحرُمت مخالفتهم"، واعترض أبو هاشم هذا الدليل قال: "إن الشاهد لا تعتبر فيه العدالة عند تحمُّل الشهادة وإنما تُعتبر عند أدائها، وأداء هذه الشهادة إنما يكون في الآخرة فلا تدُلُّ على عدالتهم في الدنيا فبطل الاستدلال بها، ثم لو سلَّمنا عدالة الشاهد فإن ذلك لا يوجب تحريم مخالفته في جميع أفعاله وأقواله لجواز الصغائر عليه فلا نأمن أن نُتابعه في خطأ، فلو قدَّرنا أن الأمة عدول لأجل الشهادة لم يجب اتِّباعهم في جميع أفعالهم وأقوالهم كالشاهد"، قال صاحب المنهاج:
"فهذه طريقة لا تفيد قطعًا ولا ظنًّا قويا كما ترى"، ومنها قوله تعالى: ﴿ فَإِن تَنَازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ ﴾ (النساء: 59)، احتج بها القاضي عبد الجبار قال: "فاقتضى ظاهرها أنَّهم إذا لم يتنازعوا لم يرجعوا إلى أحد، وهذا يستلزم كَون ما أجمعوا عليه حقًّا لَمَّا لم يرجعوا إلى أحد غيرهم إلا مع النزاع"، قال صاحب المنهاج: "وهذا الاستدلال ضعيف من وجهين:
أحدهما إنَّه أَخَذَ بمفهوم الشرط لا بمنطوق، ولم يُؤخذ بالمفهوم في الظنِّيات عند المعتزلة فضلا عن القطعيات.
الوجه الثاني إنا لو سلَّمنا صحة هذا الاستدلال لزم منه كون إجماعهم حُجَّة في حياة الرسول والاتفاق منعقد على أنَّ الإجماع إنما يصير حُجَّة بعده - صلى الله عليه وسلم - لا في حياته".
سلَّمنا فالإجماع مما تنازعوا فيه فيرد إلى دليل آخر غير هذه الآية وهذا يبطل كونها دليلا عليه قطعًا ومنها قوله تعالى: { وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الهُدَى وَيَتَّبِع غَيرَ سَبِيلِ المؤمِنِينَ نُوَلِّهِ