ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٧٩يكون الإجماع حُجَّة قاطعة لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "عليكم بالسواد الأعظم"، إلى غير ذلك من الأحاديث الموجبة لاتباع الأكثر، وقيل إن أنكر المتفقون خلاف ذلك المخالف كان اتفاقهم إجماعًا وإلا فلا، ورُدَّ القولان بأن المعتبر الإجماع من الجميع وهو في هاتين الصورتين غير موجود فلا إجماع ولا حُجَّة وأيضا فلم تنكر الصحابة خلاف الواحد كابن عباس وابن مسعود وعُمر في المواريث وغيرها، أما قوله - صلى الله عليه وسلم - : "عليكم بالسواد الأعظم"، فإنه إنما أراد إذا تعارضت الأمارات الدالة على الحكم، وعَمِل بإحدى الأمارتين أكثر الأمة وبالأخرى الأقل، كان عَمَل الأكثرية مرجِّحا للأمارة، فيجب اتباع الأرجح، وهذا إنما يكون في من لا قدرة معه على ترجيح الأقوال وفي حق من تعارضت معه الأدلة، أما القادر على الترجيح والمتمكن من الاستنباط ففرضه هو ما أداه إليه اجتهاده وإن خالف بذلك الجم الغفير والله أعلم، وقال سليمان بن جرير: "لا يخرم الإجماع خلاف عالم غلا اتباع له"، يعني إذا اتفق المجتهدون ووافقهم على ذلك العوام وخالف من المجتهدين عالم لم يتبعه على خلافه ذلك أحد من العوام، فلا يقدح خلافه في صحَّة الإجماع بل يكون اتفاقهم دونه إجماعًا، واحتج على ذلك بأنه إذا لم يكن له أتبَاعٌ صارَ قَولُ مَن
عداه إجماعًا بموته، وإذا لم يكن لقوله حكم بعد موته مع كون ذلك القول باقيًا لم يبطل بموت صاحبه فكذلك الا يكون له حكم مع بقاء صاحبه، بخلاف من له أتبَاعٌ، فإن قوله لا يبطل بموته فلا ينعقد دونه الإجماع في حياته، ورُدَّ بأن الدليل لم يفصل بين من له أتباع وبين من لا أتباع له، وأيضا فقول من عدَاه ليس قولا لكلِّ الأمة فلا يكون حُجَّةً، إذ الحُجَّة إنما هي قول جميع الأمة لا بعضها على ما اقتضته الدلالة، وكذلك لا يكون إجماع أهل المدينة مع خلاف غيرهم حُجَّة؛ لأنهم بعض الأمة والمفروض إجماع جميع الأمة، إما جميع مجتهديهم وعلمائهم، وإما جميع العلماء والعوام على ما مرَّ، وقال مالك: