ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٨٠"إن إجماع أهل المدينة حُجَّة"، أي وإن خالفهم غيرهم في ذلك، قال الحاكم: "والمشهور عن مالك أنه ردَّ الخبر بفعل أهل المدينة"، حتى قال ابن ذؤيب: "يُستتاب مالك"، وكان إذا رُوي خَبَرٌ لا يُعمَل به، فيسأل عن ذلك فيقول: "لأن أهل بلدي لا يعملون به"، وحُجتهم على ذلك قول - صلى الله عليه وسلم - : "المدينة طيبة تنفي خبثها"، ورُدَّ بأنه دليل على فضلها وذلك لا يستلزم كون إجماع أهلها حُجَّة وإلا لزم ذلك في مكة ولا قائل بذلك، ورجح ابن الحاجب كون إجماعهم حُجَّة، واحتج على ذلك بأن العادة تقضي بأن الطائفة العظيمة من العلماء لا تجمع على حُكم إلا عن دليل راجح، فاقتضى أن إجماعهم حُجَّة، وإن لم يكن قاطعًا، قال صاحب المنهاج: "وهذا ضعيف للزوم مثله في غيرها من الأمصار كبغداد ومصر وغيرهما، ثم إن أكابر علماء الصحابة كانوا خارجين عنها، وهذا يستلزم أن لا يُعتدَّ بخلافهم لأهل المدينة، وهذا من البُعد في منزلة لا تخفى عن ذوي الألباب بيانه، عليا وابن مسعود وأبا موسى وغيرهم كانوا في الكوفة، وأنس في البصرة، وأبو الدرداء بالشام، وسلمان في المدائن، وأبا ذر كان في الربذة، ومن المحال أن لا يُعتدَّ بخلاف هؤلاء لأهل المدينة، فبطل ما زعموا"، هذا كلامه وهو
من الحسن بمنزلة لا تخفى والله أعلم، وكذلك أيضا لا يكون إجماع أهل بيت النبي عَلَيه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ مع خلاف غيرهم إجماعًا، أي إذا اتفق أهل بيته عَلَيه الصَّلاَةُ والسَّلاَمُ مع قول وخالفهم غيرهم في ذلك الحكم فلا يكون اتفاقهم حُجَّة على غيرهم بمنزلة الإجماع؛ لأنهم بعض الأمة، والمعتبر إجماع جميع مجتهدي الأمة على حسب ما مرَّ، وقالت الزيدية كافة وأبو عبد الله البصري من المعتزلة: "أن إجماعهم حُجَّة"، واحتجوا على ذلك بأن جماعتهم معصومة عن الخطأ لمخالفة حكم الله في قولٍ أو فعلٍ؛ فكان إجماعهم حُجَّة كما كان إجماع الأمة، ورُدَّ بأنه لا نسلِّم ثبوت العصمة له بل هم وغيرهم في ذلك سواء، فكما يجوز على غيرهم الخطأ، كذلك أيضا يجوز عليهم، أما ما استدلُّوا به من الأدلة على