شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ١٤٥

القياس المرسل، وهو أنه عرضها لفعل قبيح، والشرع يمنع من تعريض الغير لفعل القبيح في بعض الصور، نحو المنع من الخلوة بغير المحرم من النساء، ولو عرف من نفسه أنه يحترز من المعصية، ومنها: قتل الزنديق، وهو من ينكر القول بحدوث العالم، قال صاحب المنهاج: "فقد اختلف العلماء إذا ظفرنا به، وأظهر التوبة، فقيل: تقبل كسائر الكفار، وقيل: لا تقبل توبته، بل يقتل بكل حال إذ مذهبه جواز التقية، بأن يظهر خلاف ما يتديّن به، فلو قبلناها لم يكن زجر زنديق أصلا، والزجر مقصود في الشرع، فلم يرجع لذلك إلى أصل معين قد اعتبره الشرع بل رجع فيه إلى مصلحة جميلة اعتبرها الشرع، وهو الزجر على سبيل الجملة، ومنها رمي البغاة بالمنجنيق، وتهديم معاقلهم التي يخشى ببقائها عوهم إلى البغي بتحصنهم فيها، وبتمنعهم عن إنفاذ حكم الله فيهم، ومنها إضاعة أموالهم التي تكون لهم قوة على بغيهم، كطمس أنهارهم، وخشي نخيلهم، ومنها قطع المواد عنهم، ومنع أن يصل شيء إليهم، فإن القائل بجميع ذلك من أصحابنا لم يكن له مستند إلا القياس المرسل، وهو النظر فيما يعود نفعه للإسلام، وظهور العدل، ولم يكن شيء من ذلك بعينه ولا بجنسه معتبرا بنص الشارع أو الإجماع، ومنها ما قاله الشيخ أبو المؤثر في حرق بيوت القرامطة، فإنه أمر بحرقها بعد خروجهم منها؛ لئلا يعودوا إليهان فقيل له: إن كان القوم مسلمين فلا يحل حرق بيوتهم، وإن كانوا مشركين فهي غنيمة للمسلمين، ولا يحل حرقها أيضا، فأعرض عن القائل مغضبا، وقال: "لا بد من للقوم من مخاصم أحرقوها لئلا يعودوا إليها"، ولا مستند لأبي المؤثر في هذه المسألة إلا القياس المرسل، وهو النظر في صلاح

الإسلام وأهله حتى لا يكون للقرامطة ملجأ يلجئون إليه، ونحو ذلك كثر في آثار أصحابنا وغيرهم، ثم غن ما ذكرته من تقسيم المناسب هو طريقة لبعض الأصوليين، وقسّمه آخرون إلى تقسيم غير هذا، فلا نطيل بذكر ذلك، وللحنفية فيه تقسيم يخالف ما ذكرته، ويخالف ما ذكره الأصوليون من الأصحاب والشافعية والمعتزلة، فلا نطيل بذكره أيضا، والله أعلم، وبه التوفيق.

ثم إنه أخذ في بيان الطريق الثالث من الطرق المستنبطة، وهو الشبه، فقال:

وَالشَّبَهُ أَنْ يَنْعَدِمَ المُنَاسِبُ … وَيَبْقَى فِيهِ شَبَهٌ مُقَارِبُ

مُشَابَهَهُ فِي غَالِبِ الأَحْوَالِ … كَالعَبْدِ مِثْلَ الحُرِّ أَوْ كَالمَالِ

وَقَدْ يَكُونُ شَبَهًا فِي الصُّوَرِ … كَالخَيْلِ فِي الزَّكَاةِ مِثْلَ الحُمُرِ

وَشَعَرٌ يُحْجَرُ مِنْهُ النَّظَرَ … أُبِينَ مِثْلَ شَعْرٍ لاَ يُحْجَرُ

اعلم أن للشبه معنيين: أعم وأخص، أما الأعم: فهو ما يرتبط الحكم به على وجه يمكن القياس عليه، وهو متناول لجميع العلل التي يمكن معها القياس، وأما الأخص: فهو ما يتعلق الحكم به أولى من تعليقه بنقيضه، وهذا المعنى هو المراد هاهنا، وقد اضطربت في تعريفه أقوال الأصوليين، حتى قال ابن السبكي: "الشبه منزلة بين المناسب والطرد"، ولم أجد لأحد تعريفا صحيحا فيها، قال السعد: "وتحقيق كون الشبه من المسالك أن الوصف،

٤٥٠ / ٦٢٢