ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ١٨٩** مبحث حكم الأشياء قبل ورود الشرع **
وَالحُكْمُ فِي الأَشْيَاءِ قَبْلَ الشَّرْعِ … إِبَاحَةُ الكُلِّ بِغَيْرِ مَنْعِ
وَإِنَّمَا حَرُمَ مَا قَدْ حَرُمَا … مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَ الخِطَابُ فَاعْلَمَا
وَقَالَ قَوْمٌ حُكْمُهُ الحَظْرُ وَفِي … قَوْلٍ بِأَنَّ الحَقَّ التَّوَقُّفُ
حكم الأشياء كلها قبل ورود الشرع: الإباحة، والمراد بقولنا: "قبل ورود الشرع"، حيث لا شرع، أي قبل إرسال الرسل، وإنزال الشرائع، فإن الأحكام إنما ثبتت بعد ورود الشرائع، وبعدها حرّم ما حرم، لا قبل ذلك؛ لعدم الدليل على ثبوت الحكم، هذا قول جماعة، قال البدر%: "وهو قول الشيخ أبي يحي زكريا بن أبي بكر، واختاره المصنف"، يعني الإمام أبا يعقوب-رحمة الله عليه-، وقال أكثر أصحابنا وأكثر معتزلة بغداد والإمامية والشافعية بل حكمها الحظر، وتوقف الأشعري والصّيرفي في ذلك، ثم اختلف الذين قالوا بالحظر، فمنهم من قال: أمّا ما لا يقوم البدن إلا به من طعام وشراب ونحوهما فمباح عقلا، وما زاد على ذلك فمحظور، ومنهم من قال: بل كل ما مسَّت الحاجة إليه فمباح، وما سواه فمحظور، ومنهم من قال: بل الجميع على الحظر، وتختلف عللهم في ذلك، والقائل بالوقف يقول يلزمنا الامتناع من غير أن نحكم بحظر ولا إباحة، ومنمه من فال: يجب الإمتناع؛ لأنه لا نأمن من كونه محظورا، وأنت خبير بأن كل واحد من القائلين بالحظر، ومن القائلين بالوقف قد أثبتوا للأشياء حكما قبل ورود الشرع، والأحكام إنما ثبتت بعد وروده لا قبله، فلا سبيل إلى إثبات شيء من ذلك إلا عند من جعل العقل حاكما، والصحيح أن الحاكم والشرع، كما حقّقناه في مشارق الأنوار، وكما سيأتي في ركن الحاكم إن شاء الله تعالى، لا يُقال: إن الإباحة حكم أيضا، فيلزمكم من إثباتها إثبات حكم قبل الشرع، لأنَّا نقول لم نرد بالإباحة الحكم الشرعي، الذي هو مقابل الحظر، وإنما أردنا رفع الأحكام رأسا، وإذا راتفعت الأحكام بقيت الأشياء بلا