ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ١٩٠حكم، فالتصرف وعدم التصرف فيها سواء، بمعنى أنه لا عقاب على كلا الطرفين، والحجة لنا على تصحيح هذا القول: هي أنه لا مخالف في جواز التنفس وجذب أجزاء الهواء ودفعها، وذلك نوع انتفاع بالأشياء، فيقاس عليه سائر الانتفاعات بالأشياء، احتجّ أهل الحظر بأنه تصرف في ملك الغير، فلا يجوز إلا بإذنه. ورُدّ: بأنه إنما امتنع التصرف في الشاهد لتضرّره بذلك، بخلاف القديم سبحانه لما يخشى من تفويت مصلحة يرجوها في وقت من الأوقات، والأشياء قبل ورود الشرع جميعها ملك الله - سبحانه وتعالى -، ولا ضرر عليه بتصرف غيره فيها، ولا منفعة له منها، فإنه إنما خلقها لينتفع بعضها ببعض، ولم يخلقها لينتفع بها بنفسه.
احتجّ القائلون بالوقف: بتعارض دليل الحظر ودليل الإباحة. ورُدّ بأنه لا تعارض بينهما، بل دليل الإباحة راجح بما ذكرنا.
واعلم أنهم اختلفوا في حكم الأشياء بعد ورود الشرع أيضا، على ثلاثة مذاهب، فقيل: إنّ الأصل في الأشياء التحريم، وقيل: إن الأصل فيها الحِلّ، وقيل: إن أصل المنافع التحليل، وأصل المضار التحريم، وصحّحه ابن السبكي، وتبعه المحلى شارحه، مستدلا على صحّته بقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعا ﴾ (البقرة: 29) ذكره في معرض الإمتنان، ولا يمتنّ إلا بالجائز، وبقوله - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه ابن ماجه وغيره "لاضرر ولا ضرار"، أي في ديننا، أي لا يجوز ذلك، واستثنى السبكي من هذا القول أموالنا، فإنها من المنافع، والظاهر أن الأصل فيها التحريم، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "إن دماءكم وأومالكم وأعراضكم عليكم حرام"، فيخص به عموم الآية السابقة. ورُدّ: هذا الإستثناء بأن التحريم عارض، فلا يخرجها عن أصلها، والكلام في المنافع والمضار بالنظر لذاتها، لا لِمَا عرض لها، فالأموال بالنظر لذاتها من المنافع التي الأصل فيها الحل، فلا