ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٠٧<2/207> "لا ضرر ولا إضرار في الإسلام"، وقد يرجَّح المقتضي للحكم الأثقل على المقتضي للحكم الأخفِّ؛ لأَنَّ الشريعة إِنَّمَا شُرعت لمصالح العباد تفضُّلا، والمصلحة في الأشقِّ، لقوله - صلى الله عليه وسلم - : "ثوابك على قدر نصبك"، وَلأَنَّ زيادة ثقله تَدُلُّ على أنَّ المقصود منه أكثر من مقصود الأخفِّ، فالمحافظة عليه أولى، وَلأَنَّ الظاهر تأخُّر الأثقل عن الأخفِّ لتأخُّر التشديدات.
- ومنها تقديم الخبر المثبِت للحكم على الخبر النافي له، وذلك كخبر بلال أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت وصلَّى، وقال أسامة: "دخله ولم يصلِّ"، وذلك لاشتمال المثبت على زيادة علم، وَلأَنَّ المثبت يفيد التأسيس، والنافي يفيد التأكيد، والتأسيس أولى من التأكيد، وقيل: بل هما سواء، ونسب إلى القاضي عبد الجَبَّار، ووجه قوله: أنَّ الثاني موافق للأصل، وَلأَنَّ الظاهر تأخُّر النافي عن المثبت وَوُرُودُه بعده، إذ لو قدِّر تَقَدُّمُ النافي على المثبت كانت فائدته التأكيد، ولو قدَّرنا تأخُّره عن المثبت كانت فائدته التأسيس، وهو أولى من التأكيد، فيتأخَّر عنه، وإذا كان الظاهر تأخُّر النافي عن المثبت كان تأسيسا فيستويان. وذهب الآمدي إلى تقديم النافي على المثبت، وقال: "تَأَخَّرَ النافي، وإن لزم منه مخالفة المثبت ورَفْعُ حكمه، وترجَّح تأخُّر المثبت بكونه رافعا لِمَا فائدته التأكيد، بخلاف تأخُّر النافي لكونه رافعا لِمَا فائدته التأسيس معارَضٌ بكون المثبت على تقدير تأخُّره رافعا لِمَا يثبت بدليلين، الأصل والنافي وكون النافي رافعا لِمَا يثبت بدليل، وهو المثبت، وما يُقال من أنَّ المثبت يفيد حكما شرعيًّا، بخلاف النافي، والغالب من الشارع أَنَّهُ لا يَتَوَلَّى بيان غير الشرعيِّ فمع كونه غير سديد، إذ المقصود من الحكم الشرعيِّ الحكمة لكونه وسيلة إليها، وحكمة النفي مقصودة كحكمة الإثبات معارض بِأَنَّ الغالب من الشارع التقرير لا التعبير، وفي الكتب المشهورة أَنَّهُ اختار تقديم النافي على المثبت إِلاَّ أَنَّهُم عبَّروا