شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٢١٨

النِّيَّة وفسادها، ولذ جعل الإمام الكدمي رضوان الله عليه فعل العبد قسمين: طاعة ومعصية لا يخلو من أحدهما، وليس المراد أن المباح من حيث هو مباح مأمور به مرّة، ومنهيٌّ عنه أخرى، وإلا لزم أن لا يوجد مباح أصلا، وزعم أبو القاسم البلخي أن المباح مأمور به أيضا؛ لأن فعل المباح ترك حرام، وترك الحرام واجب، وما لا يتم الواجب إلا به يجب كوجوبه، وإذا ثبت وجوبه ثبت أنه مأمور به. وأُجيب بأن الإجماع منعقد على انقسام الأحكام إلى واجب ومندوب ومباح ومحظور ومكروه، والقول بوجوبه يبطل هذا التقسيم، وفيه مخالفة الإجماع، ولا بد من بيان الفرق بين الواجب والمندوب، والمحرّم والمكروه، فأما الفرق بين بين المحرّم والمكروه فسيأتي عند كلام المصنف فيهما، وأما الفرق بين الواجب والمندوب، فهذا محلّ ذكره.

واعلم أن المطلوب فعله إما أن يكون طلب فعله طلبًا جازمًا، فهو الواجب، وأما أن يكون طلبًا غير جازم، فهو المندوب، والمراد بالطلب الجازم ما لو تركه العبد لعوقب على تركه، والمراد بالطلب الغير الجازم ما لو تركه المكلف لم يعاقب على تركه، وبمعناه ما قيل: إن الواجب ما في فعله الثواب، وفي تركه العقاب، وأن المندوب ما في فعله الثواب، وليس في تركه عقاب، ولكل واحد من الواجب والمندوب أقسام، أما أقسام الواجب فستأتي، وأما أقسام المندوب، فهي أن ينقسم إلى: سنة ونفل، فأما السنة: فهي ما كان من المندوبات طريقة مسلوكة سلكها الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو غيره ممن هو عَلَمٌ في الدين، قال - صلى الله عليه وسلم - : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشين من بعدي"، ومعنى كونها مسلوكة، أي واضب عليها السَّانُّ لها، وأمّا النفل: فهو ما لم يكن مواضبا عليه من الطاعات، ويُسمى: تطوعًا ومستحبًّا أيضا، وفرَّق القاضي حسين وغيره من الشافعية بين التطوع والمستحب، قالوا: هذا الفعل إن واضب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو السنة، أو لم يواضب عليه، كان فعله مرة أو مرّتين؛ فهو المستحبّ، أو لم

٥٢٣ / ٦٢٢