ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٢٤الأحكام، وكما أن المندوب ينقسم إلى: سنّة ومستحبٍّ، كذلك المكروه ينقسم إلى ما كانت كراهته شديدة، وهو ما ورد في النهي عنه دليل خاص، كالنهي عن أكل لحوم السّباع وذوات المخلب من الطيور، وإلى ما كان مكروها كراهية خفيفة، سمّاه ابن السبكي: خلاف الأوْلى، وهو ما لم يرد نص في النهي عنه، لكن علم من أدلة أُخر أنه مكروه في الشرع، قال بعضهم: كترك المندوبات؛ لأن ترك المندوب مكروه، ويطلق المكروه على الحرام أيضا، وقسّم الحنفية الحرام إلى حرام ومكروه كراهة تحريم، وجعلوا الحرام اسما لِمَا حرم بالدليل القاطع، والمكروه كراهة التحريم اسما لما ثبت تحريمه بدليل ظنّي، فالحرام عندهم مقابل للفرض، والمكروه كراهة تحريم مقابل للواجب على ما مرّ من تفصيلهم بين الفرض والواجب، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان صحة التحريم لواحد غير معيّن، فقال:
وَلاَ يَصِحُّ وَاحِدٌ مُحَرَّمٌ … مِنْ جُمْلَةِ لِمَا عَلَيْهِ يَلْزَمُ
لِأَنَّهُ فِي الكُلِّ صَارَ القُبْحُ … وَقَالَ قَوْمٌ أَنَّهُ يَصِحُّ
اختلف علماء الأصول في جواز أن يحرّم واحد غير معيّن من أشياء متعدّدة، ويكون المكلّف مخيّرًا في ترك أيِّها شاء، وهي مسألة النهي عن واحد لا بعينه، فمنعها معظم المعتزلة، ثم اختلفوا في وجه المنع، فمنهم من ذهب إلى أن المنع من ذلك من قبيل اللغة، واحتجّوا عليه بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا ﴾ (الإنسان: 24)، حيث كان النهي في الآية عن طاعة الجميع، ومنهم من منعه من جهة العقل؛ لأن النهي إذا تعلق بشيء اقتضى قبحه، فإذا تعلق بأحد الشيئين لا بعينه قُدّر تقبيح كل واحد منها على حياله، فيتصف كل واحد منها بما يتصف به الآخر، فيلزم تقبيحها معًا، مثال ذلك: قول القائل: لا تضرب زيدًا أو تكلّم عمرا أو تكرم خالدا، أو نحو لا تضرب زيدا أو عمرا أو خالدا، فالمنهي هاهنا لا يعد ممتثلا مهما ترك واحد،