ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٦وَمَا يُرَى مِن اخْتِيَارِ الحَسَنِ … مَعَ حُصُولِ الغَرَضِ المُسْتَحْسَنِ
لِلْكُلِّ فَهُوَ لِمَزِيدِ الغَرَضِ … لاَ أَنَّ ذَاتَهُ لِذَاكَ تَقْتَضِي
اختلفت الأمة في الحاكم بحسن الشيء وقبحه، فذهبت المعتزلة إلى ان الحاكم بذلك هو العقل، وأن الشرع إما مؤكّد لحكم العقل، كوجوب الإيمان، وحرمة الكفران، وإمّا مبين لِمَا خَفِيَ على العقل كوضائف العبادات، وضبطوا الأحكام الخمسة على وفق مقتضى العقل، فقالوا: إن الشيء إذا كان مصلحة فقط؛ فهو واجب، وإن كان فيه مفسدة فقط؛ فهو محرم، وإن رجحن المصلحة فيه على المفسدة؛ فهو مندوب، وإن رجحت المفسدة على المصلحة؛ فهو مكروه، وإن تساوى فيه الأمران؛ فهو مباح، وذهب جمهور أصحابنا والأشعرية إلى ان الاحكم بذلك هو الشرع، والعقل آلة لفهم الخطاب، وقد يتضح له الخطأ والصواب، فلا حسن عندهم إلا ماحسّنه الشرع، ولا قبح إلا ما قبّحه الشرع، وبيان ذلك أن الحسن والقبح المتنازع فيهما في هذا الباب هو بمعنى ثبوت المدح واستحقاق الثواب للفاعل للحسن، وثبوت الذم واستحقاق العذاب لفاعل القبيح، وليس للعقل توصّل إلى إثبات هذا الحكم، وإن بلغ في الكمال مبلغا عظيما، فإن غاية ما يصل إليه العقل إدراك حسن الحسن وقبح القبيح، وإدراكهما أمر غير الحكم بهما، فغن معرفة الشيء غير الحكم به، فإنه وإن أدرك أن هذا حسن، وهذا قبيح مثلاً، فإدراكه ذلك ليس هو عين الحكم به، بل غيره، إذ المراد بالحكم به إثباته إثباتًا يترتب عليه الثواب والعقاب، وهذا أمر لا يدرك إلا من الشارع.
احتجّت المعتزلة على ثبوت مدّعاهم بأمور، منها حقيقي، ومنها إلزامي، فسيأتي، وأما الحقيقي: فهو ما أشار إليه بقوله: "وإن يكن صحّ ثبوت المدح" إلخ.
اعلم ان المعتزلة قالوا: لو لم يكن العقل حاكما بالحسن والقبح لَمَا صحّ ثبوت المدح على فعل الحسن، والذم على فعل القبيح من عقل قوم ليسوا أهل شرع، ولا يعرفون الجائز من غيره، والمعلوم أن ذلك قد ثبت من نحو البراهمة والدهرية