ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٣٧وغيرهم، حتى إن أهل الشرع كانوا يبالغون في تقبيح القبيح أكثر من مبالغة أهل الشرع؛ فصحّ بذلك أن حسن الشيء وقبحه عقليان.
وجوابه أن تحسين الحسن وتقبيح القبيح من غير أهل الشرائع إنما يكون بحسب ما يوافق أغراضهم وما يخالفها، فهم يحسّنون ما يوافق أغراضهم ويقبّحون ما يخالفها، لا باعتبار الحسن والقبح اللذين هما محل النزاع، فمن هنالك تراهم مختلفين في التحسين والتقبيح، فيحسن هؤلاء ما يستقبحه هؤلاء، وهكذا لو كان الحسن والقبح ذاتيين لما اختلفوا هذا الاختلاف، نعم قد يتفقون استحسانا واستقباحا، لكن اتفاقهم على ذلك إنما يكون بحسب اتفاق أغراضهم، لا أن ذات الشيء مقتضية لذلك الحسن وذلك القبح، فاتفاقهم على تحسين الشيء إنما يكون لمزيد غرض فيه لا لذاته، واستقباحهم للشيء إنما يكون لصفة قبح فيه لا لذاته، والله أعلم.
ثم إنه أخذ في بيان الاحتجاج الإلزامي، فقال:
وَلَيْسَ مِنْ ذَا القَوْلِ قَطْعًا يَلْزَمُ … إِفْحَامُ رُسُلِ الله فِيمَا حَكَمُوا
وَذَاكَ إِنْ قَالَ الرَّسُولُ لِأَحَدٍ … تَأَمَّلَنْ تَعْرِفُ صِدْقِي وَالرَّشَدْ
فَإِنَّ لِلْمُفْحِمِ لَسْتُ أَنْظُرُ … إِلاَ إِذَا صَحَّ عَلَى النَّظَرِ
وَمَا عَلَيَّ ذَاكَ حَتَّى أَعْرِفَا … صِدْقَكَ أَنَّكَ الرَّسُولُ المُصْطَفَى
فَإِنَّنَا نَقُولُ أَنَّ مَا ذُكِرَ … شَرْطُ حُصُولِ العِلْمِ عِنْدَ المُعْتَبَرِ
وَلَيْسَ شَرْطًا لِحُصُولِ الحُكْمِ … فَيَلْزَمُ الإِتْبَاعَ قَبْلَ العِلْمِ
وَلَيْسَ مِنْهُ يَلْزَمُ المحُاَلَ … فِي صِفَةِ الله كَمَا يُقَالُ
كَقَوْلِهِمْ يَلْزَمُ قَبْلَ الشَّرْعِ … تَجْوِيزُ مَا كَانَ بِحَدِّ المَنْعِ
لِأَنَّ ذَا غَيْرُ مَحَلِّ المَنْعِ … فَالعَقْلُ فِيهِ حَاكِمٌ بِالقَطْعِ
وَإِنَّمَا مَحَلُّهُ مَا قُدِّمَا … شَيْءٌ بِهِ يَسْتَوْجِبُ التَّأَلُّمَا
وَنَحْنُ نُعْطِي العَقْلَ أَحْكَامًا بِهَا … نُبَرْهِنُ الحَقَّ فَكُنْ مُنْتَبِهًا