شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٢٦٩

قاصدًا أن يتعدى الفرسخين، فإذا خرج على هذا القصد شُرع له التخفيف في العبادات منذ خرج من عمران بلده، لما رُوي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ترخّصوا برخص المسافر بعد الخروج من العمران، وإنما جعلنا الفرسخين أوّل حدّ السفر لِمَا رُوي أنه عليه الصلاة والسلام خرج يومًا بأصحابه إلى ذي الحليفة، فصلّى بهم ثم رجع، فسُئل عن ذلك، فقال: "أردت أن أعلمكم صلاة السفر"، ومن التخفيف المشروع للمسافر قصر الصلوات الرباعيات، فيُصلى الظهر والعصر والعشاء الآخرة ركعتين ركعتين، وجُوّز له الجمع بين الظهر والعصر في أيِّ وقت من وقتيهما شاء، والجمع بين المغرب والعشاء في أيِّ وقت من وقتيهما شاء أيضا، حتى صار الوقتان في حقّه بمنزلة الوقت الواحد، وكذا رُخّص له في إفطار رمضان، لكن عليه القضاء في أيام أُخر، ورخصة الإفطار للمسافر ثابتة مطلقًا، سواء كان صام من الشهر بعض أيامه أو لم يصم، خلافًا لمن أوجب عليه إحدى حالتيه، أعني حالتي الصوم والإفطار إذا دخل فيها، وذلك أن بعض العلماء أوجب على المسافر إذا صام في سفره أن يُتمّ شهره صيامًا، ومنعه من الإفطار؛ لأنه قد اختار بنفسه الصوم، ودخل فيه فيلزمه عنده تمامه، وكذا قال فيمن اختار الإفطار في السفر ودخل فيه، حتى قال: إن الصوم بعد الفطر في السفر لا يصحّ، والصحيح أنه يصحّ، وأن للمسافر الصائم أن يفطر لثبوت رُخص الفطر للمسافر، وثبوت صحة الصيام له؛ فهو مخيّرٌ بين الصوم والإفطار، ولم يفصل الدليل بين مسافر ومسافر، وكذلك لم يفرّق الدليل بين المسافر العاصي بسفره وبين المسافر الطائع، فيصح عندنا الترخص بالقصر والإفطار لمن خرج باغيًا على الإمام، أو متعدّيًا على الأنام، وذهب الشافعي إلى منع الرخص عن المسافر العاصي بسفره، فأوجب عليه التمام

والصوم، مستدلاًّ بقوله تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ (البقرة: 173)، وأيضًا فإن الترخص نوع من التخفيف، والتخفيف لا يناسب

٥٧٤ / ٦٢٢