ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٨الاجتهاد ثابت فيما عدا الكتاب والسنة والإجماع، أمّا اشتراط ابن بركة في أن لا يُخالف قول الصحابة، فمعناه أن الصحابة إذا اتّفقوا على قولٍ؛ لا يجوز لغيرهم خلافه؛ لأن اتفاقهم على ذلك إجماع منهم، وهو مبنيٌّ على القول بأن خلاف التابعي غير قادحٍ في إجماع الصحابة، ولو كان في عصرهم، وقد تقدم الخلاف في ذلك، والصحيح اعتبار المجتهد التابعي في صحة إجماع الصحابة إذا كان في عصرهم، وأما اشتراط ذلك البعض أن يُوافق بعض أقوال من تقدم، أو يعلم أنه لم يكن لمن تقدمه خوض في تلك الحادثة، فمبنيٌّ على منع إحداث قول ثالث، وقد تقدم في آخر الركن الإجماع أن الصحيح جوازه.
فإذا كملت هذه الشروط في المجتهد جاز له الاجتهاد إجماعًا، حتى على مذهب من منع القياس، إذ قد تقدم أنهم إنما يمنعونه في غير العلل المنصوصة.
أما إذا اختلّ منها بعض الشروط، وكان عالمًا بشيء دون شيءٍ، كما لو كان عالمًا بأدلة بعض النكاح دون غيرها أو أدلة البيوع دون غيره أو نحو ذلك، وكان متقنًا بما عَلِم منها إتقانًا تامًّا، فهل يجوز له أن يجتهد في استنباط ما عُلم من الأحكام؟ أم لا يجوز له حتى يكون عالما بجميع أحكام الكتاب والسنة؟ ذهب الإمام الكدمي - رضي الله عنه - إلى جواز ذلك، ونسب هذا القول إلى أكثر الأصوليين، وقيل: لا يجوز الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، وإن عرف في ذلك البعض الأدلة التي تتعلق بها أحكامه، وهذه المسألة معروفة عندهم بتجزؤ الاجتهاد، والصحيح ما عليه الإمام من جواز ذلك؛ لأنه لو اشترطنا كمال الاجتهاد في كلّ فن، بحيث لا يجهل المجتهد شيئًا من مأخذ كل مسألة؛ للزم أن لا يجهل المجتهد شيئًا من المسائل الاجتهادية؛ لكمال علمه بمأخذ كل مسألة، وإلا كان قاصرًا، وقد سُئِل مالك بن أنس عن أربعين مسألة، فأجاب عن أربع، وقال في البقية: "لا أدري"، فلولا أنه لا يصح الاجتهاد في مسألة دون أخرى لَمَا جاز له أن يُجيب عن البعض، وكذلك