ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٩نقض حكم حاكم كان قد حكم به عن اجتهاد ونظر؛ لأن ذلك هو الواجب في حقّه، ولأنه لو جوّزنا نقض ذلك الحكم باجتهاد آخر؛ جاز نقض ذلك الاجتهاد المتأخر باجتهاد آخر، ثم كذلك في كل اجتهاد لا إلى غاية، فتفوت بذلك مصلحة نصب الحاكم، أما خلاف الأصم في ذلك فإنه إنما كان بعد انعقاد الإجماع على أنه لا ينقض الحكم باجتهاد آخر، فلا يعتدّ بخلافه، والله أعلم، ثم قال:
وَإِنْ رَأَى الجَوَازَ يَوْمًا فَفَعَلْ … ثُمَّ رَأَى الحِرْمَةَ فَالفِعْلُ انْحَظَلْ
أي إذا اجتهد المجتهد في حادثة، فرأى جوازها فعمل به، ثم تغير اجتهاده فرأى أمها حرام، فإنه يحجر عليه الإقامة على ذلك الفعل، مثال ذلك: إذا رأى جواز تزويج الصبية أو جواز التزويج بغير وليٍّ ففعل، أو رأى أن الطلاق ثلاثًا بلفظ واحد لا يقع إلا واحدة أو نحو ذلك، فعمل بما رأى، ثم رأى بعد ذلك أن ذلك فعل حرامٌ؛ لزمه أن يترك زوجته، وهذا مبنيٌّ على القول بأن الاجتهاد ينقض الاجتهاد، وهو الصحيح؛ لأن الاجتهاد الأول لا يكون عندنا بمنزلة الحكم حتى لا يصح نقضه، وإنما هو حكم تعبّد به المجتهد في ذلك الحال، فإذا رأى أن الراجح غيره، فقد تعبّد بذلك الغير، ولا مرية في جواز انتقال التعبّد بتغيّر الأحوال، وقيل: إن الاجتهاد الآخر لا ينقض به الاجتهاد الأول، وإنما يلزمه العمل به في مستقبل الأوقات فقط، أي فيما ابتدأه من بعد لا في استمراره، ومحلّ النزاع إنما هو في الأشياء المستدامة، كالإستمتاع بالزوجات، لا في الأعمال الماضية، فإنه من عمل باجتهاده في صحة الوضوء أو الصلاة أو الحج لا يلزمه قضاؤه، وإن تغيّر فيه اجتهاده اتّفاقًا، وكذلك من تغيّر اجتهاده بعد أن طلّق زوجته الصغيرة أو ماتت معه أو نحو ذلك؛ فإنه لا إثم عليه فيما فَعَلَه باجتهاده الأول اتفاقًا، فالخلاف في الأشياء المستدامة خاصة، أما الأعمال المستأنفة فلا خلاف أنه يجب عليه العمل باجتهاده فيها في حاله