شرح طلعة الشمس على الألفية المسماة بـ شمس الأصول عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

ج2 طلعة الشمس لنور الدين السالمي

الجزء ٢ · صفحة ٣٠٢

تعالى أن نسأل غير موجود، والتكليف بذلك مما لا يُطاق، فلزم وجود المجتهد في كل زمان، ونحن لا نمنع من تقليد الميّت بل نُجوّزه، فلذا نجوّز خلوَّ خلو الزمان من المجتهد.

اعلم أنهم اختلفوا في جواز تقليد الميّت على ثلاثة مذاهب: قيل: بجوازه مطلقًا، وقيل: بمنعه مطلقًا، وقيل: إن أفتاه في حياته بقي على تقليده فيما كان قد أفتاه به، وإن مات ولم يسمع الفتوى منه في حياته، وإنما نُقلت إليه بعد موته؛ فلا يجوز له تقليده حينئذٍ، إذْ لا يُعقل تقليده من قد سقط عنه التكليف بالموت، قالوا: وهل هو إلاَّ كَأنْ يلتزم رجل تقليد رجل ذاهب العقل في الحال مجنونًا لا تكليف عليه، فيقول: قد التزمت مذهب هذا المجنون فيما كان اجتهده قبل جنونه، أو كمن يلتزم مذهب رجلٍ قد كفر بعد اجتهاده أو فسق وكان عدلاً عند الاجتهاد، قالوا: وتقليد المجنون والكافر والفاسق لا يجوز بالإجماع، فكذلك الميت؛ لأنه مساوٍ لهم. ورُدّ: بأنه إن صحّ الإجماع على منع ابتداء تقليدهم حال الجنون والكفر والفسوق فيما كانوا قد اجتهدوا فيه، فلعلّه لمانعٍ آخر، وهو لحوق التهمة لهم فيما سبق من اجتهادهم، وتجويز صدورها عن مثل الأحوال التي هم عليها في الحال، قيل: وتقليد الحيِّ أوْلى لوجهين: أحدهما أنه مجمع على صحّته إلا من منع التقليد في الفروع، بخلاف الميت، وثانيهما: أن الحي نعلم استمراره على القول بذلك الاجتهاد، والميّت لا نأمن أنه لو كان حيًّا ترجّح له خلاف ما قد قال به، والله أعلم.

ثم إنه أخذ في بيان الركن الثاني من ركْنيْ الاجتهاد، وهو محل الاجتهاد، فقال:

أَمَّا مَحَلُّ الاِجْتِهَادِ فَهُوَ مَا … لَمْ يَكُنْ الإِلَهُ حَكَمَا

وَلَمْ يَرِدْ فِيهِ عَنِ الرَّسُولِ … وَلاَ عَنِ الإِجْمَاعِ فِي المَنْقُولِ

فَإِنَّهُ مِثْلُ ذِي القَضِيَّةِ … ثُمَّ اجْتِهَادُ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ

محلُّ الاجتهاد: حادثة لم يوجد فيها حكم عن الله تعالى في كتابه ولا على لسان رسوله، ولم ينقل في حكمها إجماع من المسلمين، فإن كان في الحادثة

٦٠٧ / ٦٢٢