ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٦٨تقتضيه، ولأن النهي عن الفعل أمر بفعل ضدِّه، فكما أن الأمر المطلق لا يقتضي تكرار الفعل، كذلك النهي.
وأُجيب: بأنه لا شكّ بأنه المطلوب من النهي مع الإطلاق أن لا يكون للمنهي عنه حالة وجود، فمتى أوجده فقد خالف النّاهي حيث نهاه ألاَّ يجعل له حالة وجود، فجعل له حالة وجود، وهذه مخالفة لِمَا طلب النَّاهي بلا إشكالٍ؛ فلا امتثال، والمطلوب في لفظ الأمر ثبوتها، أي ثبوت حالة وجود للمأمور به، فمتى ثبتت فقد امتثل، وإن لم يتكرّر فقد ظهر الفرق بين الأمر والنهي؛ فبطل ما زعمه الرازي من الجمع بينهما، وأَمَّا اقتضاء النهي الفور فهو أنه لو لم يقتضي الفور؛ لجاز أن يرتكب ما نُهي عنه بعد النهي؛ وهو باطل؛ لأن فاعل ذلك النهي لا يكون ممتثلاً، وهذا معنى قوله: "كي لا يفعل الحرام".
واعلم أن جميع ما ذكرته من أحكام النهي إنما هي ثابتة له عند عدم الدليل الصارف عن إرادتها أو إرادة بعضها، فإن دلّ الدليل على شيء من ذلك صرَف النهي إليه، ولذا ورد النهي لغير التحريم، فمن ذلك التكريه، نحو: ﴿ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ ﴾ (البقرة: 267)، والمراد بالخبيث الرّديء، والمراد بالإنفاق التصدق والإرشاد، نحو: ﴿ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ ﴾ (المائدة: 101)، والفرق بينه وبين الكراهية هو أن المفسدة المطلوب درؤها في الإفساد دنيوية، وفي الكراهية أُخروية، نظير ما مرّ في الفرق بين الإرشاد والندب في الأمر والدعاء، نحو: ﴿ لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا ﴾ (آل عمران: 8)، وبيان العاقبة نحو: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء ﴾ (آل عمران: 169)، أي عاقبة الجهاد الحياة، لا الموت، والتقليل والاحتقار، ومثّل لهما بقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ ﴾ (طه: 131)، أي فهو قليل وحقير، بخلاف ما عند الله، والإياس% نحو: ﴿ لاَ تَعْتَذِرُوا الْيَوْم ﴾ (التحريم: 7)، قال البدر رحمه الله تعالى: " واختلف في نهي الله تعالى، هل فيه تأديب؟ أم كلُّه زجرٌ؟ والأصح قول ابن عباس: أنه زجرٌ كله، وزعم بعض أنه كالأمر، وأما نهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - ففيه التأديب والزجر"، انتهى، وإذا تأملت