ج1 طلعة الشمس لنور الدين السالمي
الجزء ١ · صفحة ٦٩المقام مع ما مرَّ من تمثيلها للنهي في الإشارة وغيره عرفْتَ أنّ نهي الله يَرِدُ لغير الزجر أيضًا، ثم إن البدر عفا الله عنه قد مثّل لمجيء صيغة النهي للإرشاد وغيره بآيات قرآنية، فلينظر الجمع بين ما صححه هاهنا وبين ما مثّل به هنالك، والله أعلم.
ويردُ النهي لغير الدّوام إذا دلّ دليل على ذلك، وذلك نحو قول القائل: لا تخرج فإن الأسد على الباب، فالتعليل بكون الأسد على الباب دليل قاضٍ بأن النهي عن الخروج إنما هو لأجل هذه العلة، وأنه إذا زالت العلة ارتفع النهي، ومنه نهي الحائض عن الصلاة، حاصل ما في المقام أن النهي هاهنا اقتضى الدوام بحسب التعليل ليس إلاَّ، وكذا القول في النهي المقيّد بشرط، نحو: لا تصعد السطح إن كان فيه فلان، أو وقتٍ نحو: لا تصم يوم النحر، فإن النهي في الصورتين يقتضي تكرار الكفِّ عن المهنيِّ عنه عند حصول القيد، ولا يقتضيه عند عدمه، هذا مذهب الجمهور، واحتجوا بأن النهي يقتضي بوضعه الدوام؛ فالتقييد بالشرط لا يخرجه عن وضعه الأصلي، أي لا يكفي أن يكون دليلاً يصرف النهي عمَّا وُضع له إلى غيره، وذهب أبو عبد الله البصري، وصحّحه الحاكم إلى أن النهي المقيّد يُفيد المرة الواحدة، ولا يُفيد الدوام، فإذا قال القائل: لا تصعد السطح إن كان فلان فيه، لم يُفد ذلك في كلِّ مرة يكون ذلك الفلان فيه، بل إذا ترك مرّة فقد امتثل.
قال صاحب المنهاج: " لكن الأقرب أن أبا عبد الله يجعل تلك المرة متعينة في أول مرة يكون ذلك الفلان على السطح، فإذا تجنب الصعود في تلك الحال فقد امتثل، ولا يلزمه بعد تلك المرة أن يترك الصعود؛ لأنه قد امتثل، وأما لو صعد أول مرة وهو فيه؛ فقد خالف ما نُهي عنه حينئذٍ"، واحتج أبو عبد الله البصري بأن السيد إذا قال لعبده: لا تخرج من بغداد إذا جاء زيد، أفاد مرة واحدة، وإذا قال: لا تخرج من بغداد وأطلق القول أفاد المنع من الخروج على التأبيد، قلنا: لا فرق بين الصورتين في اقتضاء الدوام على حسب ما مرّ،