شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٢٧

قوله: «ولايَخطُبْ»: أي لا يخطب المرأة، وهو طلب زواجها، وقيل: لا يكون خطيباً في النكاح بين يدي العَقد، والظاهر الأَوَّل، وقيل: يحتمل أن يريد بِهِ السفارة في النكاح، ويحتمل أن يريد الخطْبة حالة النكاح، يعني أنَّ اللفظ قابلٌ للكلِّ.

قلت: وهو بجميع احتمالاته ممنوعٌ. وحمَل الشافعيَّة النهي في الخطبة على التنزيه، وهو خلاف سياق الحديث، فإنَّ النهي في العقد على التحريم عند الجمهور، والشافعيَّة توافق في ذلك، فلوْ عقد بطل عقده ولزمه الجزاء. وقال الكوفيُّون وأبو حنيفة: يصحُّ نكاح المحرم وإنكاُحه، وأجابوا عن هذا الحديث بأنَّه ليس نهيًا عن نكاح المحرم، بل هو إخبار عن حاله، وأنَّه لاشتغاله بنُسكه لا يتَّسع زمانه لعقد النكاح، ولا يتفرَّغ له، وبأنَّ المراد بالنكاح هنا الوطْءُ لا العقد، فقوله: «لا ينكِحْ» أي لا يطأ.

وتُعُقِّب بِأَنَّ الرواية الصحيحة الجزمُ على النهي لا على حكاية الحال، وحملُه عليها لا يكون إخباراً عن أمر شرعيٍّ، بل عن قَضِيَّة يشترك في معرفتها الخاصُّ والعامُّ، وحمل كلام الشارع على الشرعيَّات التي لا تُعلم إِلاَّ من جهته أولى، وأيضا فإنَّ أبانَ راوي الحديث فهم أنَّ المراد النهي، وأنكر على عمر بن عبيد الله وأقام عليه الحجَّة بالحديث. وحملُ النكاحِ على الوطْء لا فائدة فيه إذ هو أمر مقرَّر يعلمه كلُّ أحد. وأيضا فهو خلاف فهم راويه ولو صحَّ في الجملة الأولى لم يصحَّ في الثانية، فَإِنَّ <3/31> قوله «لا ينكِحْ» نهيٌ عن التزويج بلا شكٍّ، وإذا مُنِع من العقد لغيره فأولى لنفسه، والله أعلم.

١٬٠٢٠ / ١٬٤٧٩