الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٨والحديث يدلُّ على وجوب الاستبراء للإماء، فيحرم على الرجل أن يطأ أمتَه الحادثة في ملكه بِسبْيٍ أو غيره، إن كانت حاملا فحتَّى تضع حملها، وإن كانت حائلا فحتَّى تحيضَ، قيل: حيضتين، وقيل: تُجزئ واحدةٌ، وَهُوَ الذي يقتضيه ظاهر الحديث، وبه قال بعض أصحابنا والحنفيَّة والشافعيَّة والثوريُّ والنخعيُّ ومالك. ويدخلُ في قوله: «الحوائل» البكر والثيِّب، فيجب استبراء البكر أيضًا، ويؤيده القياس على العدَّة، فإنَّها تجبُ مع العلم ببراءة الرحم. وذهب جماعة من أهل العلم إِلىَ أنَّ الاستبراء إِنَّمَا يجب في حقِّ من لا تعلم براءة رحمها، وأمَّا من علمت براءة رحمها فلا استبراء في حقِّها. وقد روى عبد الرزاق عن ابن عمر أنَّه قال: «إذا كانت الأمَة عذراء لم يستبرئها إن شاء»، وَهُوَ في صحيح <3/55> البخاري عنه. وقال بعض أهل أصحابنا: إن اشتراها من طفل لا يطأ مثلها أو من امرأة أو من ذي محرم منها بالرضاعة فلا استبراء عليه، ويقع عليها متى شاء، وزاد بعضهم: إن اشتراها من إمام المسلمين أو من الأمين فلا استبراء عليه، لأنَّ الإمام أو الأمين لا يبيعانها حتَّى يستبرئاها. وقال بعض قومنا: كُلُّ أمَة أُمن منها الحملُ فلا يلزم فيها الاستبراء وَكُلُّ من غلب على الظنِّ أنَّها حامل أو شُكَّ في حملها أو تُرُدِّدَ فيه فالاستبراء لازم فيها، وَكُلُّ من غلب على الظنِّ براءةُ رحمها لكنَّه يجوز حصوله ففيه وجهان: ثبوت الاستبراء وسقوطه. وقال أكثرُ أصحابنا وبعضُ قومنا: إنَّ الاستبراء تعبديٌّ وأنَّه يجب في حقِّ الصغيرة، وكذا في حقِّ البكر والآيسة، وجعلوا استبراء التي لم تحضْ بالأيَّام، كما أنَّ عدَّتها بالأيَّام، فمنهم من قال: تستبرئ بخمسة وأربعين يوما، ومنهم من قال: بأربعين يوما، والقولان ناشئان عن القول بأنَّ استبراء الحائل بحيضتين.