الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٥٣وتُعُقِّبَ بأنَّ الوجاء رضُّ الأنثيين، والخصاء: سلُّهما، والجواب أنَّه تفسيرٌ بالمقصود من الوجاء والخصاء، فإنَّ المقصود منهما واحد. وفي المختار: الوِجاء بالكسر والمدِّ: رضُّ عروق البيضتين حتَّى تنفضخ، فيكون شبيها بالخصاء. وقال غيره: الموجوء منزوع الأنثيين، كما ذكره الجوهري، وقيل: هو المشقوق عِرق الأنثيين، والخصيتان بحالهما. وهذا قريب من تفسير الربيع. وإطلاقُ الوجاء على الصوم من مجاز المشابهة، والمعنى: أنَّ الصوم يقطع الشهوة ويدفع شرَّ المنيِّ كالوجاء. قال الطيبي: وكأنَّ الظاهر أن يقول: فعليه بالجوع وقِلَّة ما يزيد في الشهوة وطغيان الماء <3/62> من الطعام، فعدل إِلىَ الصوم إذ ما جاء لمعنى عبادة هي برأسها مطلوبة، وليؤذن بأنَّ المطلوب من نفس الصوم الجوع وكسر الشهوة، وكم من صائم يمتلئ معًى!. وقال غيره: يحتمل أن يكون الصوم فيه هذا السرُّ والنفع لهذا المرض ولو أكل وشرب كثيرا إذا كانت له نية صحيحة، ولأنَّ الجوع في بعض الأوقات والشِّبعُ في بعضها ليس كالشبع المستمرِّ كالشبع في تقوية الجماع.
واستنبط من الحديث أشياء منها: جواز المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية، قال بعضهم: وينبغي أن يحمل على دواءٍ يسكن الشهوة دون ما يقطعها، لأنَّه ربَّما لا يقدر بعد فيندم لفوات ذلك في حقِّه، وقد قيل: لا يقطعها بالكافور ونحوه، لاتِّفاقهم على منع الجبِّ والخصاء، فيلحق بِهِ ما في معناه من التداوي.
ومنها أنَّ حظوظ النفوس والشهوات لا تتقدَّم على أحكام الشرع بل هي دائرة معها.
ومنها أنَّ قصد المنفعة بالعبادة لا يقدح فيها بخلاف الرِّياء، فإنَّه أمر بالصوم الذي هو قربة، وَهُوَ بهذا القصد صحيح مثاب عليه، ومع ذلك فأرشد إليه لتحصيل غضِّ البصر وكفِّ الفرج عن الوقوع في المحرَّم.
وتُعُقِّب بأنَّه إن أراد تشريك عبادة بعبادة أخرى فهو كذلك وليس محلَّ النزاع، وإن أراد تشريك العبادة لأمر مباح فليس في الحديث ما يساعده.