الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٧٣وقيل: كان الشافعيُّ جالسا بين يدي مالك بن أنس، فجاء رجل فقال لمالك: إنِّي رجل أبيع القماري، وإنِّي بعتُ في يومي هذا قُمريًّا، فردَّه عليَّ المشتري، وقال: قُمريُّك لا يصيحُ، فحلفتُ له بالطلاق إِنَّهُ لا يهدأ من الصياح، فقال له مالك: طلَّقت زوجتك ولا سبيل لك عليها، وكان الشافعيُّ يومئذ ابن أربع عشرة سنة فقال لذلك الرجل: أيُّما أكثرُ؟ صياحُ قمريِّك أم سكوتُه؟ فقال: لا بل صياحه، فقال: لا طلاق عليك، فعلم بذلك مالك، فقال: من أين لك هذا ؟ فقال: لأنَّك حدَّثتني عن الزهريِّ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أمِّ سلمة أنَّ فاطمة بنت قيس قالت: يا رسول الله إنَّ أبا جهم ومعاوية خطباني، فقال صلَّى الله عليه وسلَّم: أمَّا معاوية فصعلوك لا مال له، وأمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ أبا جهم كان يأكل وينام ويستريحُ، <3/82> وقد قال صلَّى الله عليه وسلم: لا يضع عصاه على المجاز، والعربُ تجعل أغلب الفعلين كمداومته، وَلَمَّا كان صياحُ قمريِّ هذا أكثر من سكوته جعلته كصياحه دائما، فتعجَّب مالك من احتجاجه فقال له: اِفْتِ! فقد آن لك أن تُفتي، فأفتى من تلك السنِّ. وقيل: إنَّ القِصَّةَ وقعت في بلبل لا في قمريٍّ، وإنَّ الرجلَ حلف بطلاق الثلاث، ومن هاهنا قال له مالك: لا سبيل لك عليها.
قوله: «فصُعْلوكٌ» بضمِّ المهملة أي فقيرٌ.
قوله: «لا مالَ لَه» تفسير للصعلوك، وفيه مراعاة المال لاسيما في الزوج، لأنَّه بِهِ يقوم بحقوق المرأة. وفيه أيضًا جواز ذكر عيوب الرجل لضرورة الاستشارة.