شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٨٧

وقولها: «كاتبوني»: أي همُّوا بكتابتي، أو أرادوا فعل ذلك على حدِّ قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمُ، إِلَى الصَّلاَةِ﴾ [المائدة: 6]، ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ﴾ [النحل: 98]، ونحو ذلك، وكذا القول أيضًا في قول عائشة لها: «أَعُدُّ لهم ما كاتبوك بِهِ»، أي ما أرادوا أن يكاتبوك عليه. قال المحشِّي: وهذا هو الظاهر، إذ لم يثبت أنَّهم كاتبوها بالفعل، وحمله بعض قومنا على ظاهره فأجازوا بيع المكاتب قبل أن يقضي ما عليه، قالوا: لأنَّه رقُّ مملوكٌ، وَكُلُّ مملوك يجوز بيعُه وهبته والوصيَّةُ بِهِ، وَهُوَ القديم من مذهب الشافعي، وبه قال أحمدُ وابن المنذر، قال ابن المنذر: بيعت بريرة بعلم النبيء صلى الله عليه وسلم وهي مكاتَبَة ولم ينكر ذلك، ففيه أبين بيان أنَّ بيعه جائز، قال: ولا أعلم خبرا يعارضه ولا أعلم دليلا على عجزها، وقال أصحابنا ومالك والشافعي في الجديد وأصحاب الرأي وغيرُهم: إنَّه لا يجوز بيعُه لأنَّه خرج عن ملكه، بدليل تحريم الوطء والاستخدام. وتأوَّل الشافعيُّ حديث بريرة على أنَّها كانت قد عجزت، وكان بيعُها فسخا لكتابتها، وسوَّغ المحشِّي فسخ الكتابة بتعجيل النقد ليستريح المكاتَب من نجوم الكتابة وذلِّ السؤال، وكلا التأويلين محتاج إِلىَ دليل.

قوله: «فأعينيني بشيء»: على أداء ما طلبوه منِّي. وفيه جواز السؤال في مثل هذا الحال.

وقوله: «أَعُدُّ لهم ما كاتبوك به»: أي أنقدهم ما طلبوه منك على الكتابة، وقيل: إنَّ جملة ذلك تسع أواق في كُلِّ عام أوقية، وقيل: خمس أواقٍ <3/100> نُجِّمت عليها في خمس سنين، والمشهور رواية التسع، وجزم الإسماعيليُّ بِأَنَّ رواية الخمس غلط.

قوله: «فيكون ولاؤك لي»: أيْ نصرك وإعانتك واتِّصال حبلك بحبلي. وأصل الولاء في اللغة النصرة لكنَّه خُصَّ في الشرع بولاء العتق.

١٬٠٨٠ / ١٬٤٧٩