الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ١١٦<3/132> وقال بعض المحقِّقِينَ: إِنَّ لفظ القُرء لم يستعمل في كلام الشارع إِلاَّ للحيض ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر، فحملُه في الآية على المعهود المعروف من خطاب الشارع أولى، بل يتعيَّن، فإنَّه قد قال للمستحاضة: «دعي الصلاة أيَّام أقرائك»، وَهُوَ صلى الله عليه وسلم المعبر عن الله، وبلغةِ قومه نزل القرآن، فإذا ورد المشترك في كلامه على أحد معنييه وجب حملُه في سائر كلامه عليه إذ لم يثبت إرادة الآخر في شيء من كلامه البتَّة، ويصير هو لغة القرآن التي خوطبنا بها وإن كان له معنى آخر في كلام غيره، وإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض عُلم أنَّها لغته، فيتعَيَّن حملُه عليها في كلامه، ويدلُّ على ذلك ما في سياق الآية من قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَّكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فيِ أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228] وهذا هو الحيض والحمل عند عامَّة الْمُفَسِّرِينَ، والمخلوق في الرحم إِنَّمَا هو الحيض الوجوديُّ، قال: وبهذا قال السلف والخلف ولم يقل أحدٌ: إنَّه الطهر، وأيضا فقد قال سبحانه: ﴿وَاللآَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَآئِكُمُ، إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللآَّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4] فجعل كُلَّ شهرٍ بإزاء حيضة، وعلَّق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر والحيض، والله أعلم.
ما جاء في صفة الطهر من الحيض
قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث لم أجده في شيء من كتب قومنا، <3/133> وَلَعلَّهُ مِمَّا تفرَّد بِهِ المصنِّف، وروى مالك في الموطَّأ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمِّه مولاة عائشة أمِّ المؤمنين أنَّها قالت: كان النساء يبعثن إِلىَ عائشة أمِّ المؤمنين بالدرجة فيها الكُرسُفُ فيه الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة فتقول لَهُنَّ: لا تعجلن حتَّى ترين القَصَّة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة.