الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ١٤٥قوله: «لا تناجشوا»: بفتح المثنَّاة الفوقية فَنونٌ فألفٌ فجيمٌ مفتوحةٌ فشينٌ معجمةٌ: أي لا تزايدوا في السلع من غير قصدٍ للشراء، فإنَّ ذلك مِمَّا يورث الضغائن، ويثير الحقد، ويثمر التباغض والتقاطع، فلهذه المفسدة العظيمة نهى الشارع <3/170> عنه، لأنَّه صلى الله عليه وسلم بُعث رحمةً للعالمين، والافتراق عذاب، فنهى عن أسبابه. وقد مرَّ الكلام على النجش في بابه.
قوله: «ولا تتلقَّوا الركبان»: وهم الجماعة من أصحاب الإبل في السفر، والتقييد بذلك، فخرج مخرج الغالب، لأنَّ العادة فيمن يجلب الطعام أن يكونوا عددا ركبانا، ولا مفهوم له، بل لو كان الجالب عددا مشاةً أو واحدا راكبا أو ماشيا لم يختلف الحكم.
وقوله: «للبيع»: يتناول البيع لهم والبيع منهم، وقد تقدَّم الكلام في حكم ذلك في أوَّل الباب.
قوله: «ولا يَبِعْ حاضر لِبَادٍ»: الحاضر صاحب الحضارة، وهي العمران من الأرض، والبادي صاحب البادية. وإنَّما نهى عن ذلك لأنَّ الحضريَّ يتحكَّم على الناس بمال غيره ويتربَّص بِهِ، والبادي يبيع بما يرزق الله. والمقصود الإرفاق بأهل الحضر، وقد قال عليه السلام: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»، رواه الجماعة إِلاَّ البخاري من حديث جابر بن عبد الله في معنى حديث الباب. وقال ابن سيرين: لقيت أنس بن مالك فقلت: لا يبيع حاضر لبادٍ، أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: نعم، قال محمَّد: وصدق إنَّها كلمة جامعة، أي لا يبيع <3/171> له شيئًا ولا يبتاع له شيئا، وظاهر النهي الإطلاق. وَقِيلَ: إِنَّمَا يحرم إذا كان بأجر، وأمَّا إذا كان بغير أجر فلا، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : «الدين النصيحة».