الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ١٤٨وأجيب عن التعليل بالإذاء بأنَّه ضررٌ يسير لا يستمرُّ فيُغتفر لتحصيل المنفعة. وزاد الشيخان وأحمد في حديث الباب: «فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردَّها وصاعا من تمر». واستُدلَّ بهذه الزيادة على صحَّة بيع المصرَّاة مع ثبوت الخيار للمشتري وردِّ الصاع من التمر في مقابلة ما أخذ من لبنها لِمَا في البخاري وأبي داود: «من اشترى غنمًا مصرَّاة فاحتلبها، فإن رضيها أمسكها وإن سخطها ففي حلبتها صاع من تمر». وقد أخذ بظاهر الحديث الجمهور، وأفتى بِهِ ابن مسعود وأبو هريرة. وخالف في ذلك آخرون، فقالت الحَنَفِيَّة: لا يُرد بعيب التصرية ولا يجب ردُّ الصاع من التمر، وتكلَّفوا <3/173> الطعن في الحديث، وخالفهم زُفر فقال بقول الجمهور إِلاَّ أنَّه قال: مخيَّرٌ بين صاع من تمر أو نصف صاع من بُرٍّ، وكذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية، إِلاَّ أَنَّهُمَا قالا: لا يَتَعَيَّنُ صاع التمر بل قيمته. وفي رواية عن مالك وبعض الشافعيَّة كذلك، ولكن قالوا: يَتَعَيَّنُ قوت البلد قياسا على زكاة الفطر، وقال قوم: الواجب ردُّ اللبن إن كان باقيا، وإن كان تالفا فمثله، وإن لم يوجد المثلُ فالقيمة، والله أعلم.
ما جاء في النهي عن الاحتكار وعن سلف جرَّ منفعةً وعن بيع ما ليس عندك
قوله: «بلغني»: الحديث ثبتت معانيه عند أرباب السنن من طرق، نشير إِلىَ ذكر بعضها في موضع الاستدلال على أحكام الباب.
قوله: «نهى عن الاحتكار»: بكسر الهمزة، وَهُوَ أن يشتري الرجل <3/174> الطعام للتجارة في وقت رخصه فيرفعه إِلىَ وقت غلائه في البلدة التي اشتراه فيها، والنهي واقع على المقيمين دون المسافرين، لأنَّ ذلك من المسافر تجارة ونفع، يرفعه من بلدة إِلىَ بلدة، وكذلك لا حُكْرة فيمن ادَّخر غلَّةَ مالِه ولو انتظر بِهِ الغلاء، وكذلك من احتكر غير الطعام فإنَّه لا بأس عليه فيما قيل.