الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ١٥٤قوله: «نهى عن كراء الأرض»: قيل: النهي للتحريم، وَقِيلَ: للتنزيه، وَقِيلَ: محمول على ما إذا اشترط صاحب الأرض ناحية منها مُعَيَّنَة. وأخرج البخاري ومسلم عن رافع بن خديج قال: «كنَّا أكثر الأنصار حقلاً فكنَّا نكري الأرض على أنَّ لنا هذه ولهم هذه، فربَّما أخرجت هذه ولم تخرج هذه، فنهانا عن ذلك، فأمَّا الورِقُ فلمَّا ينهنا»، وفي لفظ للبخاري: «كنَّا أكثر أهل الأرض مزروعا، كنَّا نكري الأرض بالناحية منها تُسمى لسيِّد الأرض <3/179> فَرُبَّمَا يصاب ذلك وتسلم الأرض، وربَّما تصاب الأرض ويسدُّ ذلك فنهينا، فأمَّا الذهب والورِق فلم يكن يومئذ». وفي لفظ: أنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع، فذهب ابن عمر إِلىَ رافع فسأله، فقال: نهى النبيء صلى الله عليه وسلم عن كراء المزارع، فقال ابن عمر: قد علمت أنَّا كنَّا نكري مزارعنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بما على الأربعاء وبشيء من التبن، والأربعاء جمع ربيع، وَهُوَ النهر الصغير، وحاصله أنَّه ينكر على رافع إطلاقه في النهي عن كراء الأراضي. وقد اختلف الناس في كراء الأرض فقال طاوس وطائفة قليلة: لا يجوز كراء الأرض مطلقاً، لا بجزء من الثمر والطعام، ولا بذهب ولا بفضة ولا بغير ذلك ، وهؤلاء تمسكوا بظاهر النهي. وقال الأكثر: يجوز كراء الأرض بِكُلِّ ما يجوز أن يكون ثمنا في المبيعات من الذهب وَالفِضَّة والعروض والطعام سواء كان من جنس ما يزرع في الأرض أو غيره، لا بجزء من الخارج أو الخارج منها، وقيل: يجوز أيضًا بجزءٍ من الثمر أو الزرع، وقيل: يجوز بغير الطعام والثمر لا بهما، لئلاَّ يصير من بيع الطعام بالطعام. ونقل ابن المنذر إجماع الصحابة على جواز كراء الأرض بالذهب وَالفِضَّة. ونقل غيرُه اتِّفاق فقهاء الأمصار عليه، والله أعلم.
<3/180> ما جاء في النَّهْيِ عن الْمُزابَنَة والْمُحَاقَلَة