شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ١٥٩

قوله: « بالخيار»: بكسر الخاء المعجمة، أي كلُّ واحد محكوم له بالخيار ما لم يفترقا. قال الربيع قال أبو عبيدة: «الافتراق بالصفقة» أي يبيع هذا ويشتري هذا، وذلك أنَّ المتبايعَيْن يجعل كلُّ واحد منهما يده في يد الآخر عند العقد، فإذا تَمَّت الصفقة افترقا: أي افترقت أيديهما، فما دامت أيديهما لم تفترق بعضها من بعض فهما بالخيار، فإذا افترقا وجب البيع. وقد قالت الْمَالِكِيَّة إِلاَّ ابن حبيب وَالحَنَفِيَّة كلُّهم وابراهيم النخعي: إذا وجبت الصفقة فلا خيار. وحُكي هذا القول عن الثوري والليث والإماميَّة وزيد بن علي والقاسمية والعنبري، ولهم على التأويل حجج، منها قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُواْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: 283] فَإِنَّهُ لو كان المراد التفرُّق لم يطابق الأمر، وإن وقع بعد التفرُّق لم يصادف محلاًّ. ومنها قوله تعالى: ﴿تِجَارَةٌ عَن تَرَاضٍ﴾ [النساء: 29] فَإِنَّهَا تدلُّ على أَنَّهُ بِمُجَرَّدِ الرضى يتمُّ البيع. ومنها قوله <3/186> تعالى: ﴿أَوْفُواْ بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والراجع عن موجب العقد قبل التفرُّق لم يفِ بِهِ. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «المسلمون على شروطهم» والخيار بعد العقد يفسد الشرط. ومنها حديث التخالف عند اختلاف المتبايعين لاقتضائه الحاجة إِلىَ اليمين، وذلك يستلزم لزوم العقد، ولو ثبت خيار المجلس لكان كافيا في رفع العقد.

وقال آخرون: إنَّ المراد التفرُّق بالأبدان، فما داما في المجلس فلهما الخيار حتَّى يفترقا، ثمَّ اختلف هؤلاء، فمنهم من قال إِنَّهُ محمول على الاستحباب تحسينا لمعاملة المسلم مع المسلم، ومقتضى هذا القول أَنَّهُ لا يحكم بذلك عليهما، وَإِنَّمَا يحرَّضان عليه في باب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم.

١٬١٥٢ / ١٬٤٧٩