الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ١٧٤واستُشكل صدور الإذن منه صلى الله عليه وسلم بشرطٍ فاسد في البيع، واختلف علماء الحديث في ذلك: فمنهم من أنكر ذلك، وأشار الشافعيُّ إلى تضعيف الرواية التي فيها الإذن بذلك لانفراد هشام بن عروة دون أصحاب أبيه، وأثبتها آخرون، قالوا: هشام ثقة حافظ، والحديث مُتَّفَق على صحَّته فلا وجه لردِّه، ثمَّ اختلفوا في <3/200> توجيه ذلك، فقيل: إنَّ اللام في قوله: «واشترطي لهم» بمعنى عَلَى كقوله تعالى: ﴿وَإِنَ اَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7]. وقال آخرون: الأمر في قوله: «واشترطي» للإباحة، أي اشترطي لهم أَوْ لاَ، فإنَّ ذلك لا ينفعهم، ويقوِّي هذا قوله: «ويشترطوا ما شاؤوا» وقيل: إنَّ النبيء صلى الله عليه وسلم قد كان أعلم الناس أنَّ اشتراط الولاء باطل، واشتهر ذلك بحيث لا يخفى على أهل بريرة، فلمَّا أرادوا أن يشترطوا مِمَّا تقدَّم لهم العلم ببطلانه أَطلَق الأمر مُريدًا بِهِ التهديد كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُم﴾ [فصلت: 40]: فَكَأَنَّهُ قال: اشترطي لهم الولاء فسيعلمون أنَّ ذلك لا ينفعهم، ويؤيِّد هذا ما قاله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: «ما بال رجال يشترطون شروطا…» إلخ، فوبَّخهم بهذا القول، مشيرا إِلىَ أَنَّهُ قد تقدَّم منه بيان إبطاله، إذ لو لم يتقدَّم منه ذلك لبدأ ببيان الحكم لا بالتوبيخ لعدم المقتضي له، إذ لهم أن يتمسَّكوا بالبراءة الأَصلِيَّة.
وقيل: أذن في ذلك لقصد أن يعطِّل عليهم شروطهم الفاسدة فيرتدعوا عن ذلك ويرتدع بِهِ غيرهم، وكان ذلك من باب التأديب، وقيل: هذا الحكم خاصٌّ بعائشة في هذه القصَّة أنَّ سببه المبالغة في الزجر عن هذا الشرط لمخالفته حكم الشرع، وتُعُقِّب بأنَّ التخصيص لا يثبت إِلاَّ بالدليل، وقيل فيه غير ذلك، والله أعلم.
باب الرِّبا والانفساخ والغشِّ
«