الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٢٠٣قوله: «ولكن اسألوا الله»: أي اطلبوا منه رخص الأسعار. وعند أحمد وأبي داود عن أبي هريرة قال: جاء رجلٌ فقال: يا رسول الله، سعِّر، فقال بل ادعو الله، ثُمَّ جاء آخر فقال: يا رسول الله سعِّر، فقال: «بل الله يخفض ويرفع». وقد استدلَّ بالحديث وما في معناه على تحريم التسعير، وأنَّه مظلمة، ووجهه أنَّ الناس مسلَّطون على أموالهم، والتسعير حجر عليهم، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين، وليس نظره في مصلحة المشتري برخص الثمن أولى من نظره بمصلحة البائع بتوفير الثمن، وإذا تقابل الأمران وجب تمكين الفريقين من الاجتهاد لأنفسهم، وإلزام صاحب السلعة أن يبيع بما لا يرضى به مُنافٍ لقوله تعالى: ﴿إِلآَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ﴾ [النساء: 29]، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وروي عن مالك أنَّه يجوز للإمام التسعير، وأحاديث الباب تردُّ عليه، وظاهر الأحاديث لا فرق بين حالة الغلاء وحالة الرخص، ولا فرق بين المجلوب وغيره، وإلى ذلك مال الجمهور. وفي وجه للشافعيَّة جواز التسعير في حالة الغلاء، وَهُوَ مردودٌ. وجوَّز بعض الناس التسعير فيما عدا قوت الآدميِّ والبهيمة، وَقِيلَ: لأهل المنازل أن يردُّوا أسعار منازلهم إِلىَ سعر السوق القائم المعروف حولهم، والتخصيص يحتاج إِلىَ دليل، والمناسب الملغى لا ينتهض لتخصيص صرائح الأدلَّة، والله أعلم.
ما جاء في إفلاس الغريم
<3/233> جاء في إفلاس الغريم حديث أبي هريرة، وكأنَّه رحمه الله تعالى أشار بذكره في الباب إِلىَ ما استَدَلَّ به بعضهم على فسخ البيع بالإفلاس، قالوا: وكذلك إذا امتنع المشتري من أداء الثمن مع قدرته بمطلٍ أو هرب قياساً على الإفلاس بجامع تعذُّر الوصول إليه حالاً، وذكر ابن حجر أنَّ الأصحَّ من قول العلماء أن لا ينفسخ.
قوله: «عن أبي هريرة»: الحديث رواه أيضًا مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه.