الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٢١٣قوله: «إِنَّمَا أنا بشرٌ مثلكم»: البشر يطلق على الجماعة والواحد، وبمعنى أنَّه منهم، والمراد أنَّه صلى الله عليه وسلم مشاركٌ للبشر في أصل الخلقة ولو زاد عليهم بالمزايا التي اختصَّ بها في ذاته وصفاته. والحصر هنا مجاز لأنَّه صلى الله عليه وسلم يختصُّ بالعلم الباطن الذي يُطْلِعه الله عليه من عجائب الملك والملكوت وأحوال الآخرة، ويسمَّى قصر قلب، لأنَّه أتى به ردًّا على من زعم أنَّ من كان رسولاً فإنَّه يعلم كُلَّ غيبٍ حتَّى لا يخفى عليه المظلوم من الظالم. والحكمة في ذلك أنَّه كان يمكن إطلاعه بالوحي على كُلِّ حكومة أنَّه لَمَّا كان مشرِّعاً كان يحكم بما شُرع للمكلَّفين، ويعتمده الحاكم بعده. <3/243> فقوله: «إِنَّمَا أنا بشرٌ مثلكم»: أي في إجراء الأحكام على الظاهر الذي يستوي فيه جميع المكلَّفين، فأُمِرَ أن يحكم بمثل ما أُمِروا أن يحكموا بِهِ، ليتمَّ الاقتداء، وتطيب نفوس العباد بالانقياد إِلىَ الأحكام الظاهرة من غير نظر إِلىَ الباطن، والحاصل أنَّ هنا شيئين: أحدهما طريق الحكم، وَهُوَ الذي كلِّف المجتهد بالتبصُّر فيه، وبه يتعلَّقُ الخطأ والصواب، والآخر ما يبطنه الخصم ولا يطَّلع عليه إِلاَّ الله ومن شاء من رسله، وهذا لم يقع التكليف بِهِ.
قوله: «تختصمون إليَّ»: أي تنتهون إليَّ في الفصل بينكم فيما اختصمتم فيه من أمور دنياكم.
قوله: «فأحكم بينكم»: أي فأفصل الخصوم بعضهم من بعض بما أمرني الله تعالى بِهِ في الفصل في حكم الظاهر.