الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٢٢٢قوله: «واليمين على من أنكر»: أي أنكر الدعوى، فإنَّه يحلف بعد حكم الحاكم عليه بذلك، فلو حلف قبل الحكم لم يُجزه، وكذلك إذا حلَّفه الحاكم قبل طلب المدَّعي فإنَّه لا يجزيه ذلك من لا يكون قاطعا لدعوى الخصم، فلو طلب أن يحلفه ثانية كان له ذلك. قال النوويُّ: هذا الحديث قاعدة شريفة كُلِّيَّة من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنَّه لا يقبل قول الإنسان فيما يدَّعيه بِمُجَرَّدِ دعواه بل <3/253> يحتاج إِلىَ بيِّنة أو تصديق المدَّعي عليه، فإن طلب يمين المدَّعى عليه فله ذلك. قال: وقد بَيَّنَ صلى الله عليه وسلم الحكمة في كونه لا يعطى بِمُجَرَّدِ دعواه أنَّه لو أعطى بِمُجَرَّدِها لادَّعى قومٌ دماء قوم وأموالهم واستبيح ذلك، ولا يتمكن المدَّعى عليه من صون ماله ودمه. وقال جماعة من أهل العلم: الحكمة في ذلك أنَّ جانب المدَّعِي ضعيف لأنَّه يقول بخلاف الظاهر، فكلِّف الحجَّة القَوِيَّة، وهي البيِّنة، لأنَّها لا تجلب لنفسها نفعا ولا تدفع عنها ضررًا، فيقوى بها ضعف المدَّعي، وأمَّا جانب المدَّعى عليه فهو قويٌّ لأنَّ الأصل فراغ ذمَّته، فاكتفى فيه باليمين، وهي حجَّة ضعيفة، لأنَّ الحالف يجلب لنفسه النفع ويدفع عنها الضرر، فكان ذلك في غاية الحكمة، ولا مانع من اجتماع حكمتين أو أكثر في معنى واحد، على أنَّ الحكمة التي أشار إليها الحديث متعلِّقة بالمصالح العامَّة المُتَرَتِّبَة على نفس القضاء، والحكمة التي استنبطها العلماء إِنَّمَا هي مجرَّد مناسبة، لأنَّها تُبَيِّنُ الوجه الذي لأجله اختصَّ المدَّعي بالبيِّنة والمنكر باليمين. واستُدِلَّ بالحديث لمذهب الجمهور في وجوب البيِّنة على كُلِّ من ادَّعى واليمين على كُلِّ من أنكر، فحملوا الحديث على عمومه في حقِّ كُلِّ أحد، سواءٌ كان بين المدَّعي والمدَّعَى عليه اختلاط أم لا.