الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٢٣٠قوله: «الصلح خير الأحكام»: أو قال: «سَيِّد الأحكام»: شكَّ الراوي واللفظتان بمعنى واحد. والصلح لغةً: قطع المنازعة، وشرعًا: عقد يحصل بِهِ ذلك. وأحكامه أحكام البيع صِحَّةً وفسادًا، فينقضه ما ينقض البيع من الجهالة والعيب، وهل هو رخصة أو أصل بنفسه؟. فقيل: رخصة مستثناة من المحظورات، وَقِيلَ: هو أصلٌ بنفسه مندوب إليه، فمن قال بِالأَوَّلِ قال: الحديث مجمل، ومن قال بالثاني قال: إنَّه عامٌّ، وتظهر فائدة الخلاف فيما إذا تردَّدت في نوع من الصلح، فإن جعلته مجملا لم يصحَّ الاستدلال بالخبر على جوازه، وعلى الثاني يجوز إِلاَّ أن يقوم دليل على تخصيصه، وَهُوَ المذهب، وسياق الحديث يشهد له، ولا إجمال فيه، بل هو واضح الدلالة، فالصلح أصل بنفسه، وَهُوَ نوع من الأحكام، لكنَّه أفضل منها لما فيه من <3/262> الألفة بين الناس والمقاربة بين الأقارب. وعن عمر رضي الله عنه قال: رُدُّوا الخصومة ليصطلحوا فإنَّ الحكم يورث بينهم الضغائن، فمن هاهنا كان الصلح سَيِّد الأحكام.
وذكر الشيخ أبو زكرياء من فوائده عشر خصال: موافقة كتاب الله، وموافقة السنَّة، وتحبُّه الملائكة، ويُصلح ويرضي الفريقين، وفيه نجاة الحاكم من الجور، والعالم من الميل في الفتيا، والشاهدين من الزور، والمزكِّين من إثم التزكية، مع ما فيه من الفضل الكثير للصلحاء بِكُلِّ كلمة حسنة.
قوله: «وَهُوَ جائز بين الناس»: أي الصلح جائز بين الناس، أي لا إثم فيه، بل فيه الفضل الكثير إن وافق موضعَه.
قوله: «إِلاَّ صلحًا أحلَّ حراما أو حرَّم حلالاً»: فَالأَوَّلُ كالذي يصالح على خمر أو نحوه، أو من له دراهم فصالح على أكثر منها، وذلك كما إذا كان لرجل على آخر دين وطالبه فيه فصالحه على أنْ يؤخِّر عنه ويزيده على دراهمه، فهذا صلح أحلَّ حراماً، وَهُوَ باطل لأنَّه ربًا، وكذلك من منع المباح من الأرض، فصولح على شيء يدفع إليه، فإنَّ ذلك عليه حرام.