الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٢٣١وأمَّا الصلح الذي حرَّم حلالاً فكالذي يصالح امرأته على أن لا يطأ ضرَّتها أو أمَته، وكالصلح الذي يمنع من التصرُّف في المصالح.
قال أبو زكرياء: الصلح الجائز على وجهين:
<3/263> أحدهما: رجل وقع على مال رجل ظلما وعدوانا، فإنَّ الصلحاء يقولون في ذلك للمظلوم: ائذنْ لنا ندفع عنك ظلم هذا الظالم بما وجدنا دفعه من مالك، وهذا النوع جائز بالنظر إِلىَ الصلحاء والمظلوم دون الظالم، فإنَّه إِنَّمَا يأكل سحتًا، وليس هو في الحقيقة من الصلح وإنَّما هو من التقيَّة.
قال: والوجه الثاني: رجلان تخاصما في شيء فلمْ يُدْرَ المحقُّ منهما من المبطل، فللصلحاء أن يصلحوا بينهما بجهد رأيهم.
قوله: «وَهُوَ أحرز للحاكم»: أي أحصن وأمنع، والمُراد بالحاكم القاضي، والحديث يدلُّ أنَّ للحاكم أن يصلح بين الخصوم ويأمرهم بالصلح ويدعوهم إليه، ولو لم يطلبوا ذلك، ولكن لا يجبرهم عليه، وَقِيلَ: ليس له أن يأمرهم ويدعوهم إليه، وحمله أبو سعيد على معنى الجبر.
وَقِيلَ: إنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا على القضاء، فاختصم إليه رجلان في دينار، فأطلق من كُمِّ قميصه دينارًا فدفعه إليهما، فبلغ ذلك عمر، فكتب إليه أن اعتزل قضاءنا، وحملوه على تقوية القضاة على إنفاذ الحقِّ بين الناس.
وذكر محمَّد بن سيرين أنَّ شريحا ارتفع إليه رجل استودع امرأة مائة درهم وديعةً، فوقع حريقٌ قريب منها، فحوَّلتها إِلىَ رجل فضاعت، فسأل شريح الرجل عن المرأة: هل يتَّهمها في شيء؟ فقال: لا، فقال: فإن شئتَ رضيتَ منها بخمسين درهماً، فقال ابن سيرين: فما رأيته أمر بصلح غير ذلك اليوم، والله أعلم.
<3/264> ما جاء في إسناد القضاء الموافق للحقِّ إِلىَ كتاب الله وفي تكلُّم الخصوم بين يدي الحاكم
<3/265> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه الجماعة من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني.