الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٢٧٨قوله: «فاجلدوها ثمَّ بيعوها»: هذا صريح أنَّها تجلد في الرابعة أيضًا ثمَّ تُباعُ، وبذلك يردُّ على النوويِّ حيث قال: إنَّها في الثالثة تباع من غير جلد. والأمر بالبيع مستحبٌّ عند الجمهور، وَقِيلَ: إنَّه منسوخٌ ولا نعلم له ناسخًا، وقال أهل الظاهر بوجوب البيع تمسُّكًا بظاهر الأمر، ولأنَّ ترك مخالطة الفسقة واجبة، وبيع الكثير بالحقير جائز. قال ابن بطال: حمل الفقهاء الأمر بالبيع على الحضِّ <3/319> على مباعدة من تكرَّر منه الزنا لئلاَّ يظنَّ بالسيِّد الرضا بذلك، ولما في ذلك من الوسيلة إِلىَ تكثير أولاد الزنا، قال: وحمله بعضهم على الوجوب، ولا سلف له في الأمَّة، فلا يشتغل بِهِ.
قوله: «ولو بِضَفِيِر»: بفتح الضاد المعجمة غير المشالة ثمَّ فاء، بمعنى الحبل، وَهُوَ فعيل بمعنى مفعول، وأصل الضفر نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض، ومنه ضفار شعر الرأس للمرأة والرجل، وَقِيلَ: لا يكون مضفورًا إِلاَّ إن كان من ثلاث. وذكر البيع بالضفير مبالغة في حقارة الثمن.
واستشكل الأمر ببيع الرقيق إذا زنا مع أنَّ كلَّ مؤمن مأمور أن يرى لأخيه ما يرى لنفسه، وأجيب بِأَنَّ السبب الذي باعه لأجله ليس محقَّقَ الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنَّه متى عاد أخرج، فإن الإخراج من الوطن المألوف شاقٌّ، ويجوز أن يقع الإعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره.
وفي الحديث فوائد:
منها: أنَّ الزنا يرد بِهِ الرقيق، للأمر بالحطِّ من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا.
ومنها: أنَّ من زنا فأقيم عليه الحدُّ ثمَّ عاد أعيد عليه، بخلاف من زنا مرارًا قبل الحدِّ فإنَّه يكتفى فيه بإقامة الحد عليه مرَّة واحدة.
ومنها: العفَّة عن مخالطة الفسَّاق ومعاشرتهم.
ومنها: جواز عطف الأمر المقتضي للندب على الأمر المقتضي للوجوب، لأنَّ الأمر بالجلد واجب والأمر بالبيع مندوب عند الجمهور، خلافًا لأبي ثور وأهل الظاهر.