شرح الجامع الصحيح [نسخة جمعية التراث، كاملة] عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٤ · صفحة ٢٩٥

قوله: «فكلوا وتصدَّقوا وادَّخروا»: أطلق لهم الأمر بالادِّخار بعد ما كان ممنوعًا إِلاَّ إِلىَ ثلاث. وقد اختلف الناس في هذه الإباحة، فمنهم من قال <3/345> إنَّها مستمرَّة على حال وجعلوه من نسخ السنَّة بِالسُّنَّةِ، ونسب القول بذلك إِلىَ الجمهور، وَادَّعَى ابن عبد البرّ رفع الخلاف في ذلك. ونقل الربيع عن أبي الشعثاء أنَّه لم ير بأسًا ببيع جلود الأضاحي. وقال الربيع عن أبي الرحيل قال: ذبحنا يومًا بِمَكَّةَ أضحيةً نسكًا فاشتركنا فيه، قال لي أبو الشعثاء بِعْ جلدَه. وقال الشافعيُّ: إذا دفت الدافَّة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث، فإذا لم تدفَّ دافَّة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزوُّد والادِّخار والصدقة، قال: ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخ. قال القرطبي: حديث سلمة وعائشة نصٌّ على أنَّ المنع كان لعلَّة، فلمَّا ارتفعت ارتفع موجبه، فتعيَّن الأخذ بِهِ، ويعود الحكم بعود العِلَّة، فلو قدم على أهل بلد ناسٌ محتاجون في زمان الأضحى، ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة ليسدُّوا بها فاقتهم إِلاَّ الأضاحي لتعيَّن عليهم ألاَّ يدَّخروا فوق ثلاث. قال ابن حجر: والتقييد بالثلاث واقعة حال، فلو لم تُسدَّ الخلَّة إِلاَّ بتفرقة الجميع للزم على هذا التقرير عدم الإمساك.

قلت: وما أشبه هذا الخلاف بالخلاف الواقع في سهم المؤلَّفة من الزكاة، وهل هو منسوخ أم باق معلَّق على احتياج الإمام إِلىَ تأليفهم؟ والظاهر من سياق الحديث بقاء الحكم عند وجود مقتضيه، والله أعلم.

وقول الربيع: الدافَّة القادمون، تفسير لِـ«دَفَّ ناسٌ» في أوَّل الحديث، قال أهل اللغة: الدافَّة بتشديد الفاء: قوم يسيرون جميعًا سيرًا خفيفًا، ودافَّة الأعراب: من يريد منهم المصر، والمُراد هنا من ورد من ضعفاء الأعراب للمواساة، والله أعلم.

<3/346> ما جاء أنَّه صلى الله عليه وسلم ضحَّى بكبشين أملحَيْن

١٬٢٨٨ / ١٬٤٧٩