الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣١٧وورد وقوع الطاعون في غير بني إسرائيل، فيحتمل أن يكون هو المراد بقوله: «أو من كان قبلكم». فمن ذلك ما أخرجه الطبري وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: أمر موسى بني إسرائيل أن يذبح كلُّ رجل منهم كبشًا، ثمَّ يخضب كفَّه في دمه ثمَّ يضرب به على بابه ففعلوا، فسألهم القبط عن ذلك فقالوا: إنَّ الله يبعث عليكم عذابًا وإنَّا ننجو منه بهذه العلامة، فأصبحوا وقد مات من قوم فرعون سبعون ألفًا، فقال فرعون عند ذلك لموسى: ﴿ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ…﴾الآية [الأعراف: 134]، فدعا فكشفه عنهم.
وأخرج عبد الرزَّاق في تفسيره وابن جرير عن الحسن في قوله تعالى: ﴿الذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمُ، أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 243]، قال: فرُّوا من الطاعون، فقال لهم الله: موتوا ثمَّ أحياهم ليكملوا بقيَّة آجالهم. فأقدم من وقفنا عليه في المنقول من وقع الطاعون بِهِ من بني إسرائيل في قصَّة بلعام، ومن غيرهم في قِصَّة فرعون، وتكرَّر بعد ذلك لغيرهم.
<3/386> قوله: «فلا تدخلوها عليه»: أي لا تدخلوا تلك الأرض وَهُوَ فيها، لأنَّه تهوُّرٌ وإقدام على خطر، ولأنَّ الامتناع أسكن للنفس وأطيب للعيش، ولئلاَّ يقعوا في اللوم المنهيِّ عنه، فنهوا عن ذلك تأديباً لئلاَّ يلوموا أنفسهم فيما لا لوم فيه، لأنَّ الباقي والناهض لا يتجاوز أحد منهم أجله.
قوله: «فلا تخرجوا فرارًا منه»: أي لأنَّه فرارٌ من القدر، ولئلاَّ تضيع المرضى بعدم من يتفقَّدهم، والموتى بعدم من يجهِّزهم، فالنهي الأوَّل تأديبٌ وتعليمٌ، والثاني تفويض وتسليم. وقيل: هو تعبُّدي، لأنَّ الفرار من المهالك مأمور بِهِ، وقد نهي عن هذا فهو لسرٍّ فيه ولا يعلم معناه، والله أعلم.
<3/387> <3/388> قوله: «عن ابن عبَّاس»: الحديث رواه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم من طريق مالك وغيره.