الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣٢٠قوله: «نعم نفِرُّ من قَدَرِ الله إِلىَ قَدَرِ الله»: أي نفرُّ من البلاء الذي قدَّره الله وأنزله على أهل تلك الناحية إِلىَ السلامة التي قدَّرها الله لأهل الناحية الأخرى. وأطلق على الرجوع اسم الفرار لشبهه بِهِ في الصورة، وإن كان ليس فرارًا شرعيًّا ولا معنويًّا. وفيه مشورة من يوثق بفهمه وعقله عند نزول المعضل، وأن مسائل الاجتهاد لا يجوز لأحد القائلين فيها أن يعيب من خالفه، ولا أن يطعن عليه، وأنَّ الإمام إذا نزلت بِهِ نازلة ليس لها ذكر في الكتاب ولا في السنَّة كان عليه أن يجمع ذوي الرأي ويشاورهم، فإن لم يأت واحد منهم بدليل فعليه الميل إِلىَ الأصلح والأخذ بما يراه. وفيه أنَّ الاختلاف لا يوجب حكمًا وإنَّما يوجبه الإجماع.
قوله: «وكان متغيِّبًا في بعض حاجته»: يعني أنَّه لم يحضر المشورة.
قوله: «إنَّ عندي من هذا علمًا»: فيه إشارة إِلىَ أنَّ العلمَ محصور عندهم فيما <3/390> جاء بِهِ محمَّد صلى الله عليه وسلم دون ما يستند إِلىَ محض الرأي. قال ابن دقيق العيد: الذي يترجَّح عندي في النهي عن الفرار والنهي عن القدوم أنَّ الإقدام عليه تعرُّضٌ للبلاء، ولعلَّه لا يُصبر عليه، وربَّما كان فيه ضرب من الدعوى لمقام الصبر أو التوكُّل، فمنع ذلك لاغترار النفس ودعواها ما لا تثبت عليه عند التحقُّق، وأمَّا الفرار فقد يكون داخلا في باب التوغُّل في الأسباب، متصوَّرًا بصورة من يحاول النجاة مِمَّا قُدر عليه، فيقع التكلُّف في القدوم كما يقع التكلُّف في الفرار فأمر بترك التكلُّف فيهما.
قوله: «فحمد الله عمرُ وأثنى عليه»: أي لموافقته اجتهاده واجتهاد معظم الصحابة للحديث النبويِّ.
قوله: «ثُمَّ انصرف»: أي رجع إِلىَ المدينة. والحديث دَلِيل قويٌّ على وجوب العمل بخبر الواحد بأنَّه كان بمحضر جمع عظيم من الصحابة، فلم يقولوا لعبد الرحمن: أنت واحد، وإنَّما يجب قبول خبر الكافَّة، والله أعلم.
<3/391> باب عدَّة الشهداء